تمر اليوم الذكرى 58 لثورة 23 يوليو، هذه الثورة التي اندلع قبلها وبعدها العديد من الثورات التي تمر ذكراها الآن دون اهتمام من أحد، أما ثورة يوليو فما إن تحين ذكراها حتى تنطلق أقلام الكتاب تعدد في أغلبها إنجازاتها وتداعياتها، وتهاجمها بعض الأقلام، بينما تنبري الفضائيات العربية في غالبيتها تنتقدها وتهاجمها في برامجها، والقليل منها يمتدحها ويعدد إنجازاتها.

وهذا في حد ذاته يؤكد مدى أهمية هذه الثورة التاريخية، ومدى أهمية إنجازاتها، هذا رغم أن الانقلاب على هذه الثورة وطعنها في مبادئها وتشويه إنجازاتها، قد بدأ منذ أربعة عقود مضت، وبالتحديد بعد رحيل قائدها جمال عبد الناصر.

ورغم ظهور الفضائيات وانتشارها حديثا في منتصف التسعينات الماضية، أي بعد ربع قرن من رحيل عبد الناصر، إلا أن ثورة يوليو وقائدها يحتلان حيزا كبيرا وملحوظا على هذه الفضائيات التي لا تتناول أية ثورة أخرى غيرها، حتى أن أشهر الفضائيات الإخبارية خصصت منذ تأسيسها حتى اليوم، وعلى مدى نحو 12 عاما، مذيعا مخصوصا مهمته الأساسية والأسبوعية هي الهجوم على ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر.

في زمن التراجع وانعدام الإرادة، زمن الضعف والاستسلام، في مثل هذا الزمن يعتبر النقد والهجوم على ثورة يوليو وقائدها شهادة تقدير واعتراف بعظمة هذه الثورة وإنجازاتها، وليس أدل على ذلك من اقتران فترة الخمسينات والستينات دائما بوصف «العصر الذهبي»، ولا يتسع المجال هنا لذكر إنجازات هذا العصر الذهبي، ولكن يكفي أخذ بعض المؤشرات من هذا العصر لقياس ما يحدث في عصرنا هذا.

من أهم المؤشرات السياسية، أنه في الستينات كان أكثر من نصف دول العالم قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بسبب اعتداءاتها على العرب، بينما الآن أكثر من نصف العرب أنفسهم على علاقات دبلوماسية وتجارية مع إسرائيل، رغم أن جرائمها زادت حدتها أكثر بكثير عن ذي قبل.

وفي الستينات كانت مصر قلب الأمة العربية النابض، وكانت تقود إفريقيا كلها نحو التحرر والاستقلال والتنمية، والآن علاقاتها بدول عربية شقيقة تصبح مهددة بسبب مباراة كرة قدم، بينما نهر النيل الذي هو شريان الحياة المصرية مهدد من دول الحوض، التي كانت في الستينات تلتف حول الجارة الكبيرة مصر تصغي لها وتسمع كلامها.

يكفينا هنا في هذه الذكرى 58 لثورة يوليو، أنها توافق مرور خمسين عاما على تأسيس «التليفزيون العربي».. نعم هكذا كان اسمه عندما افتتحه عبد الناصر في 21 يوليو عام 1960 «التليفزيون العربي» .

وليس «المصري»، وكان افتتاحه في نفس اليوم والتوقيت في الشقيقة العربية سوريا، وظل هذا التليفزيون بالفعل عربيا وموجها للأمة العربية كلها، حتى حدث الانقلاب الكبير على ثورة يوليو ومبادئها في منتصف السبعينات.

حيث ظهرت النزعات الرجعية التي سعت لهدم فكرة القومية العربية وتفتيت الأمة وعزل القلب مصر عن الجسد العربي، حينئذ فوجئنا بتحويل الاسم إلى التليفزيون المصري، وظهور الأغاني والبرامج والمواد التي تذكر المصريين بأنهم فراعنة وأقباط، وأنهم «أولاد عم اليهود».

وغير ذلك من الزمن الغابر، إلا أن يكونوا عربا، بل تحول العرب في بعض الأحيان من خلال الإعلام المصري في السبعينات إلى أعداء لمصر، ووصل الأمر آنذاك (كما ذكر الأستاذ هيكل منذ أيام)، إلى درجة أن الطيران المصري يقصف «قاعدة جمال عبد الناصر» في ليبيا، ويسقط ضحايا من أبناء الشعب الليبي الشقيق!

وما زال الهجوم الشرس من نفس الجهات مستمرا، على ثورة يوليو وقائدها وعصرها الذهبي.

elmoghazy@hotmail.com