نشر السفير الأمريكي السابق في بغداد، رايان كروكر، في موقع «المصلحة القومية» على الإنترنت، في الثاني والعشرين من يونيو المنصرم، مقالاً مطولاً تحت عنوان «أحلام بابل»، حاول فيه أن يلقي بعض الضوء على المستقبل الذي ينتظر العراق، مستعيناً بما تعرف عليه وتلمسه خلال وجوده في مناسبات عديدة في العراق، كان آخرها إشغاله منصب سفير الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 2007 و2009.
حيث شهد تداعيات تفجير ضريح العسكريين في سامراء التي أوشكت أن تقود العراق إلى حرب أهلية واسعة، وأشرف خلال وجوده في منصبه على وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق (صوفا).
لا تتسع هذه المقالة محدودة الكلمات لمناقشة كل ما ذهب إليه السفير كروكر من خلط للحاضر بالماضي، لأجل قراءة المستقبل والتوصية بما على إدارة بلاده أن تفعله، إنما تتسع للتوقف عند بعض ما ذهب إليه لغرابته.
استهل كروكر مقالته بالحديث عن المشهد العراقي، الذي انبثق بُعيد الانتخابات النيابية الأخيرة في السابع من مارس الماضي، مشبهاً عملية تشكيل الحكومة، التي لا تزال تراوح مكانها حتى الآن، بمسرحية تطغى الدراما على أغلب فصولها التي لا يخلو بعضها من مشاهد كوميدية؛ مرشحون غير مؤهلين يسعون للعودة للسلطة، اتهامات بالاحتيال تتطاير هنا وهناك، إعادة عملية العد والفرز للأصوات الانتخابية، تحالفات تقام وتتغير وتنحرف عن مساراتها، في أجواء تشهد تغييرات على مدار الساعة. وكأنه بهذا الوصف للمسرح السياسي العراقي، يلفت نظر القارئ إلى بؤس حاضر العراق، أمام عظمة ماضيه الذي حرص على الإشارة إليه في عنوان مقالته فحسب.
هكذا يرى كروكر مشهد العراق من زاويته الخاصة، إلا أن المشاهد العراقي قد يرى هذا المشهد ويحكم عليه بصورة أخرى. فحين تعرض على مسرح بلاده مشاهد درامية فجة تتخللها لقطات كوميدية، لا تنسجم مع السياقات العامة التي تحكم عموم المشهد كما هو الحال منذ السابع من مارس، لا يكتفي هذا المشاهد بالتهكم على أداء الممثلين الذين يعتلون خشبة المسرح ويؤدون أدواراً بعيدة كل البعد عن أداء المحترف، كما يفعل السفير كروكر، وإنما ينفجر قهقهة ساخراً ممن وضع سيناريو هذه المسرحية وأخرجها.
للسفير كروكر قراءة خاصة لماضي العراق، وقد طرح بعض مفاصل هذا الماضي في مقالته، محاولاً إسقاطها على واقع العراق الحالي.
محطتان تستحقان التوقف في هذا الصدد: أولاهما؛ إشارته بشكل غير مباشر إلى أن العراق مكان خصب لميلاد ونشوء حركات إسلامية متطرفة، وذلك لأن العنف والإرهاب غير بعيد عن جذوره الثقافية.
فقد ذكر بأن حركة الخوارج (بداية العهد الإسلامي) قد تأسست في العراق ومارست نشاطاتها فيه، قبل أن تمد نفوذها إلى أماكن أخرى، وأن هذه الحركة هي حركة إسلامية أصولية متطرفة شبيهة بتنظيم القاعدة.
والحقيقة أن السفير كروكر لم يكن موفقاً في إشارته هذه، فحركة الخوارج التي تأسست في النصف الأول من القرن الهجري الأول، كانت أقرب إلى كونها حركة سياسية منها إلى حركة دينية أصولية، وهي سرعان ما شهدت انقسامات إلى ثمانية أحزاب، انقسم كل منها بدوره. كما أن الدارس لتاريخ هذه الحركة لا تفوته ملاحظة أن العنف وحب سفك الدماء، لم يكن من طبيعة جميع الفصائل التي تشظت عن الحزب الخارجي الأصلي، فقد انفرد الأزارقة (أحد الفصائل المنشقة) دون غيرهم بذلك.
ورغم أن الخوارج قد دوخوا الدولة الأموية بعملياتهم الإرهابية، إلا أن نشاطاتهم أوشكت على النهاية مع نهاية القرن الهجري الثاني، بعد أن انحسر بشكل شبه كلي عن الأراضي العراقية إبان عنفوان العصر العباسي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أياً من الذين درسوا تاريخ الحركات الدينية في العراق، لم يذكر أن إحدى الفرق التي تشظت عن الخوارج قد اتخذت من العراق مقراً لها.
كما أن من تبقى من تلك الفرق حتى الآن، تحت مسميات أخرى في شبه الجزيرة العربية أو في شمال إفريقيا، أبعد ما يكون عن العنف والإرهاب، وليس هناك ما يربطها بالحزب الخارجي الأصلي.
كما أن السفير كروكر، في طرحه هذا، يتجاهل تماماً حقيقة هامة، وهي أن الحركات الإرهابية في أي مكان من العالم، وليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، لم تنشأ بسبب جذور ثقافية تعود إلى الماضي البعيد، قدر ما نشأت لأسباب موضوعية أخرى ذات صلة مباشرة بالحاضر الراهن.
المحطة الثانية: إشارته، متجنياً على العراق وشعبه، إلى أن أنجح حاكمين حكما العراق على مر التاريخ، هما الحجاج بن يوسف الثقفي في العصر الأموي (إبان خلافة عبد الملك بن مروان وخلافة ابنه الوليد بن عبد الملك)، ثم صدام حسين في العصر الحالي. وذلك لأن هذين الحاكمين، كما يقول كروكر، لم يتوقفا عند حدود لمدى القسوة التي يذهبان إليها للاحتفاظ بكرسي الحكم. وقد حرص السفير على صياغة ما ورد في هذا السياق، بطريقة تجعل هذا الحكم القاسي في حق العراق، يبدو وكأنه تعبير عن قناعة العراقيين أنفسهم.
مرة أخرى، ينزلق السفير كروكر بعيداً عن الموضوعية، حين لا يجد ضيراً في تسليط الضوء على هذا الحكم البائس في حق العراق وشعبه. تاريخ بلاد ما بين النهرين المدون، يرجع إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، شهدت هذه البلاد خلالها سيرة مئات الحكام، منهم من نجح في الحكم ومنهم من فشل.
فلِمَ يختزل هذا التاريخ الحافل بحقبتين زمنيتين داميتين، لا تزيدان على بضع عشرات من السنين، ليصدر وفق هذا الاختزال، البعيد جداً عن روح الإنصاف، حكماً جائراً مفاده أن العراق لم يحكم بنجاح إلا بأدوات الحجاج أو أدوات صدام حسين!!
تاريخ بلاد ما بين النهرين زاخر بالعطاء، لا يجد الباحث صعوبة في إعداد قائمة طويلة من الإنجازات الحضارية المتميزة التي انبثقت عنه، إنجازات في عصور مشرقة من تاريخه الطويل، ابتداءً من العصر السومري، ومروراً بالعصر الأكدي والبابلي والآشوري والعباسي، ووصولاً إلى العصر الحديث تحت مسمى العراق، في الحقبتين الملكية والجمهورية.. إنجازات ما كان لها أن ترى النور، لو لم يكن الحكام خلالها حكاماً ناجحين.
كاتب عراقي