أثارت التصريحات التي أدلى بها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف مؤخراً بشأن إيران وبرنامجها النووي، جدلاً كبيراً وتساؤلات كثيرة. ولم يكن الجدل والتساؤل حول العلاقات بين روسيا وإيران، بل كان حول ميدفيديف نفسه كشخصية على أعلى مستوى من المسؤولية في روسيا، خاصة وأن مثل هذه التصريحات لا تصدر إلا من ميدفيديف، دون غيره من باقي المسؤولين الروس الذين قد تصدر منهم تصريحات أخرى مناقضة لما يقوله ميدفيديف.

ولا نقصد هنا رئيس الوزراء بوتين أو وزير الخارجية لافروف اللذين عادة تتناقض تصريحاتهما في الشأن الإيراني مع تصريحات ميدفيديف، بل نقصد أيضاً بعض الوزراء والمسؤولين الرسميين الآخرين.

لقد صرح ميدفيديف قائلاً: «تقترب إيران من امتلاك قدرة يمكن استخدامها، من حيث المبدأ، لصنع السلاح النووي»، وقال أيضاً «إن روسيا لديها معلومات تشير إلى أن إيران تتابع أبحاثها النووية، وتأمل موسكو في أن تقيم طهران تعاوناً بناءً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذا الصدد».

هذا أقسى ما قاله ميدفيديف، والذي اعتبره الكثيرون تغييراً جذرياً في العلاقات الروسية ـ الإيرانية. وفي الوقت نفسه كان وزير النفط الإيراني مسعود مير كاظمي يزور موسكو، ليوقع مع وزير الطاقة الروسي سيرغي شماتكو اتفاقية تعاون في مجال النفط والغاز على درجة كبيرة من الأهمية، خاصة وأنها تأتي في ظل العقوبات الجديدة الصادرة على إيران من مجلس الأمن الدولي، كما أبدت روسيا استعدادها لتوريد البنزين إلى إيران، وإعداد «خارطة طريق» أخرى للتعاون في مجال الطاقة النووية.

وأكد الوزير الروسي شماتكو أن التعاون الروسي الإيراني المشترك في مجال الطاقة، لن تعيقه العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي، ولا العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة من جانب واحد في بداية يوليو.

في التوقيت نفسه أيضاً، صرح سيرغي تشيميزوف، رئيس شركة «روس تكنولوجيا» الروسية للتصنيع العسكري، بأن العقد المبرم لتوريد منظومات الدفاع الجوي من طراز «س ؟ 300» لإيران، لم يلغ وأنه ساري المفعول.

ما نريد أن نقوله هنا، ان العلاقات بين روسيا وإيران لا تحكمها التصريحات، بل الأفعال والأعمال على أرض الواقع، ومن الملاحظ أنه منذ صدور قرار مجلس الأمن بالعقوبات التي وافقت موسكو عليها، وزيارات المسؤولين الإيرانيين لموسكو تتوالى، كما أن تصريحات الإيرانيين حول العلاقات بين البلدين، تؤكد جميعها أن لا تأثير للموقف الروسي في مجلس الأمن على هذه العلاقات.

وفي الوقت نفسه فإن تصريحات ميدفيديف تضمنت ما يعني ذلك أيضاً، فقد قال مع تصريحاته الحادة المذكورة، ان العقوبات لن تؤدي إلى النتائج المطلوبة، وأنه لا بد من الحوار مع طهران.

لكي نفهم مغزى تصريحات ميدفيديف الحادة أحياناً، كما يتصور البعض، بشأن إيران، علينا أن نستوعب جيداً المغزى من وراء اختيار فلاديمير بوتين لشخص ديمتري ميدفيديف خلفاً له في الرئاسة، وهو الاختيار الذي لم يكن يتوقعه أحد، وكان هناك مرشحون آخرون أكثر قوة وشهرة، مثل نائب رئيس الوزراء سيرغي إيفانوف وغيره.

ولكن بوتين أراد من وراء اختيار ميدفيديف أن يعطي روسيا وجهاً آخر أكثر قبولاً لدى الغرب، وجهاً بعيداً تماماً عن الحقبة السوفييتية وعن أجهزة الأمن والجيش، وجهاً ليبرالياً صرفاً ينتمي للجيل الجديد في روسيا، وذلك بهدف طمأنة الغرب للتعامل مع روسيا.

وفي ما يتعلق بالشأن الإيراني، فإن ما يقوله ميدفيديف دائماً لا يعيق ولا يؤثر على مجريات العلاقات بين روسيا وإيران، لكنه في الوقت نفسه لا يضع روسيا أمام العالم في جبهة واحدة مع إيران ضد المجتمع الدولي، بل تعطي تصريحات ميدفيديف انطباعاً كاملاً بأن روسيا مع المجتمع الدولي، ضد أي تصرفات من جانب إيران تعارض إرادة المجتمع الدولي.

وهذا هو الهدف الأساسي من وراء تصريحات ميدفيديف، أن لا يربط المجتمع الدولي بين تولي روسيا مشاريع المحطات النووية الإيرانية، وبين مواقف موسكو السياسية، وذلك حتى تفوت على البعض في الغرب فرصة تخويف الدول الأخرى من التعاون مع روسيا في مجال التكنولوجيا النووية، وهذه هي مهمة ميدفيديف الرئيسية في أزمة النووي الإيراني.

وهي المهمة التي يصلح لها تماماً دون غيره، ولا يستطيع بوتين القيام بها لأنه ليس محل ثقة لدى الغرب بحكم ماضيه في جهاز الاستخبارات السوفييتية، وبحكم توجهاته وسياساته بشكل عام.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru