يخطئ كثيرون حينما لا يميّزون المراحل في تاريخ تجربة 23 يوليو الناصرية، أو حينما ينظرون إلى السياسة التي اتّبعها جمال عبد الناصر وكأنّها سياقٌ واحد، امتدّ من عام 1952 حينما قامت ثورة 23 يوليو إلى حين وفاة ناصر عام 1970.

أيضاً، جمال عبد الناصر لم يكن قائداً عربياً فقط، بل كان إضافةً لذلك حاكماً ورئيساً لشعب مصر. فبينما عرفه العرب غير المصريين بدوره كقائد تحرّر قومي، عرفه شعب مصر كحاكم يحكم من خلال أجهزة وأشخاص، فيهم وعليهم الكثير من الملاحظات والسلبيات، رغم ضخامة حجم الإنجازات الكبيرة التي تحقّقت للشعب المصري نتيجة الثورة.

ولم نكن كعرب في فترة عبد الناصر (ولسنا كذلك الآن طبعاً) نعيش في ظلّ دولة واحدة، ليكون الفرز العربي الداخلي على أسس سليمة، بين المتضرّر والمستفيد من وجود أفكار وأعمال التجربة الناصرية.

وقد قامت ثورة 23 يوليو بواسطة جبهة «الضباط الأحرار»، وليس من خلال حزب أو تنظيم موحّد الفكر وأسلوب العمل.

كذلك أحاطت بالتجربة الناصرية ظروف داخلية وخارجية معيقة لحركة «ثورة 23 يوليو»، كان أبرزها حال التجزئة العربية والتعامل مع الشعوب العربية إمّا من خلال الحكومات أو أجهزة المخابرات المصرية، وفي ظلِّ حربٍ باردة بين المعسكرين الدوليين، حيث تركت هذه الحرب بصماتها الساخنة على كلّ المعارك التي خاضها عبد الناصر.

مشكلة ثورة 23 يوليو، أنّ ساحة حركتها وأهدافها كانت أكبر من حدود موقعها الجغرافي المصري.. فقد كانت قضاياها تمتدّ لكلّ الساحة العربية، وأيضا لمناطق أخرى في إفريقيا وآسيا.

إنّ «23 يوليو» بدأت ثورةً مصرية، ونضجت كثورةٍ عربية، ثمّ ارتدّت بعد وفاة ناصر إلى حدودها المصرية.

فالسياسة العربية لمصر عبد الناصر، كانت مرتبطةً بالمراحل والظروف المتغيّرة، رغم القناعة المبدئية بالعروبة لدى القيادة الناصرية.

قامت ثورة 23 يوليو عام 1952 دون أي ادّعاء بالعمل من أجل أي قضية عربية، وكانت الأهداف الستَّة للثورة المصرية الّتي أُعلنت حينها، خاليةً من أي موضوع عربي، وتمحورت جميعها على القضايا الداخلية المصرية.

ولم يظهر البُعد العربي واضحاً في ثورة ناصر إلاّ بعد تأميم قناة السويس، ثمَّ العدوان الثلاثي (البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي) عام 1956 على مصر. فبعد هذه السنوات القليلة من عمر الثورة المصرية، ظهر الالتفاف الشعبي العربي الكبير حول القيادة الناصرية، واشتعل تيّار القومية العربية في أرجاء البلدان العربية، كتيّار مرتبط بمطلب الاستقلال الوطني والتحرّر من الاستعمار، في مرحلةٍ كانت فيها غالبية شعوب العالم الثالث تعاني من الاستعمار الأجنبي، ومن تحكّم الشركات الأجنبية في الثروات الوطنية.

وكانت صرخة ناصر: «ارفع رأسك يا أخي، فقد ولّى عهد الاستعباد والاستعمار»، صرخةً مدوّية يتفاعل صداها في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاّتينية، فكانت دعوةً من أجل التحرّر والحرّية، حرّكت وأنهضت الشارع العربي كلّه من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وكان ذلك أيضاً دافعاً لربط مطلب التحرّر بالدعوة للوحدة العربية، كتعبير عن وحدة الانتماء الثقافي ووحدة الهموم والأحلام والآمال.

لذلك، جاءت تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 تتويجاً لهذه المشاعر التحرّرية القومية، وقامت الجمهورية العربية المتحدة، بناءً على ضغط الشارع العربي عموماً والسوري خصوصاً، من أجل انضمام سوريا للقيادة الناصرية في مصر.

لكن معارك التحرّر الوطني والاستقلال وانطلاقة التيّار القومي العربي التي ميّزت عقد الخمسينيات، تعرّضت لنكستين كبيرتين في مطلع عقد الستينات وأواسطه، وانتهى هذا العقد بوفاة من قاد هذه المعارك التحرّرية، ومن أضاء في القرن العشرين شعلة العروبة.

النّكسة الأولى، كانت ضد الجمهورية العربية المتحدة، حيث قادت جماعة انفصالية في سوريا حركة الانفصال عن مصر يوم 28/9/1961، ثمَّ جاءت النّكسة الثانية يوم 5/6/1967، حيث جرت هزيمة حرب يونيو وما نتج عنها من متغيّرات كثيرة في مصر والمنطقة العربية.

وفي النكستين، كان ناصر مثالاً في المسؤولية وفي الحرص على العروبة. فلقد رفض عبد الناصر استخدام القوّة العسكرية ضدَّ حركة الانفصال السورية، رغم مشروعية وقانونية هذا الحق.

أمّا هزيمة 1967، فقد أعلن ناصر تحمّله المسؤولية الكاملة عنها واستقال من كلّ مناصبه الرسمية، ولم يعد عن هذه الاستقالة إلاّ بعد يومين من المسيرات الشعبية العارمة التي شملت مصر ومعظم البلاد العربية، ثمّ كانت هذه الهزيمة سبباً مهمّاً لإعادة النظر في السياسة العربية لمصر الناصرية، حيث وضع جمال عبد الناصر الأسس المتينة للتضامن العربي من أجل المعركة مع العدوِّ الإسرائيلي، وتجلّى ذلك في قمَّة الخرطوم عام 1967 وما تلاها من أولويةٍ أعطاها ناصر لاستراتيجية إزالة آثار العدوان، وإسقاط كل القضايا الأخرى الفرعيّة، والسعي لتوظيف كل طاقات الأمّة من أجل إعادة تحرير الأراضي المحتلة.

وكانت هذه السياسة هي سمة السنوات الثلاث التي تبعت حرب 1967 إلى حين وفاة عبد الناصر. لكن خلاصات تلك المرحلة، كانت مزيجاً من الدروس الهامة لقضيتيْ التحرّر والوحدة؛ إذ تبيّن أنَّ زخم المشاعر الشعبية لا يكفي وحده لتحقيق الوحدة، وأنَّ هناك ضرورة للبناء التدريجي السليم، قبل تحقيق الاندماج بين بلدين عربيين أو أكثر.

وهذا ما حرص عليه عبد الناصر عقب حرب 1967، حينما رفض المناشدة اللّيبية ثمَّ السودانية للوحدة مع مصر، واكتفى بخطوات تنسيق معهما رافضاً تكرار سلبيات الوحدة الفورية مع سوريا. أيضاً أدرك عبد الناصر ومعه كل أبناء الأمّة العربية، أنّ التحرّر من الاحتلال يقتضي أقصى درجات الوحدة الوطنية في الداخل، وأعلى درجات التضامن والتنسيق بين الدول العربية.

كذلك، كان من دروس هزيمة 1967 وانفصال 1961، أنّ البناء الداخلي السليم وتحقيق المشاركة الشعبية الفعّالة في الحياة السياسية، هما الأساس للحفاظ على أي تجربة تكاملية بين البلاد العربية، وهما الأرض الصلبة لقيادة حركة التحرّر من أيِّ احتلال أو هيمنة خارجية.

لكن هذه الدروس الهامة لم تعش طويلاً بعد وفاة ناصر، وها نحن الآن في الذكرى 58 لثورة 23 يوليو، نجد أنّ مصر تغيّرت، والمنطقة العربية تغيّرت، والعالم بأسره شهد ويشهد في عموم المجالات متغيّراتٍ جذرية..

لكن رغم كلِّ تلك المتغيّرات، يستمرّ الحنين العربي إلى حقبة الكرامة والعزة والتوحد، ويتواصل الأمل بعودة مصر إلى موقعها العربي الريادي، واستعادة الأمة العربية لدورها الذي كرّسته «ثورة يوليو» ولم تتمّ المحافظة عليه بعدَ عبد الناصر.

مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

alhewar@alhewar.com