لا شك أن إحداث تغييرات بسيطة في عاداتنا الشخصية، من الممكن أن يمد جسورًا من الألفة والاحترام المتبادل بيننا ومن حولنا، دون أن يكلفنا الكثير. ولكن الكثيرين منا يتمسكون بعاداتهم الشخصية، ويشعرون بأنها تمثل «شخصهم» وتعبر عنهم.

وقد يجعلها البعضُ بمثابة البصمة الشخصية التي يودون أن يُعرفوا بها بين الناس، سواءً في الملبس، أو في طريقة الأكل، أو أسلوب التحدث، أو نبرة الصوت، أو أي شيء آخر.. والأشياء التي نشكل من خلالها عاداتنا الشخصية، كثيرة كثرة رمال الصحراء، لأنها أمر يختلف باختلاف البشر في طريقة تعاطيهم مع كل ما يحيط بهم، من إنسان وحيوان ونبات وجماد.

بعضنا يسعى لبناء عاداته الشخصية، ورسم خطوط البصمة الخاصة به، عن سبق إصرار وترصد، بمعنى أن تعجبه عادة ما، كتحريك اليدين بحركات معينة مقصودة عند التحدث، أو عدم النظر في عين محدثه، أو حتى الميل إلى الجدية المتصنعة وعدم استخدام عبارات المجاملة في أي موقف، أو غير ذلك.. فيسعى إلى تدريب نفسه على اكتساب هذه العادة مرة بعد مرة، إلى أن تصبح بعد حين أشبه بالعادة الأصيلة في شخصيته، ويُعرف بها بين الناس، ولن يرضى بعد ذلك أن يتصرف على طبيعته الأولى قبل اكتساب هذه العادة.

مع أن الوضع في بعض الأحيان يتطلب أن يكون الإنسان على طبيعته تماماً، دون تكلف أو تصنع.. أي أن يكون إنسانًا بين جمع من الناس فقط، لكنه لا يرضى أن يكون إلا كما أراد هو أن يكون، ويرفض أن يغير أي شيء حتى لو كان نزولاً عند رغبة أعز الناس لديه، لأنه «هكذا» وعلى الباقين أن يتقبلوه كما هو، لا أن يتغير هو ليكون كما يريدون.

وفي المقابل، هناك عادات نكتسبها دون قصد منا، ربما محاكاة لا واعية لشخص آخر، أو ربما اكتسبناها مصادفة دون أن نشعر بذلك، وتأصلت فينا شيئًا فشيئًا، حتى اكتشفناها أو نبهنا أحدُهم إليها «فجأة»، لكننا إن اضطررنا في يوم ما للاستغناء عنها لأي سبب من الأسباب، نرفض ذلك، مع علمنا بأنه لن تقوم قيامتنا، ولن يختل توازننا الداخلي أو الخارجي إن تخلينا عنها، لأنها مجرد عادة مكتسبة لا تلامس فينا إلا السطح الخارجي، ومع ذلك نأبى أن نغيّرها، ونطالب الآخرين دومًا بأن يتغيروا من أجلنا.

إننا في سلوكنا هذا نغفل كثيرًا عن فكرة جوهرية في الحياة عمومًا، وهي أنها ـ أي الحياة بكل ما فيها ـ كينونة مرنة تقوم على أساس التنازلات، فإذا قمنا بوضع أنفسنا ـ أو عاداتنا الشخصية أو طباعنا أو نفسياتنا ـ في قوالب وجمّدناها، فإننا نُخرج حياتنا عن جوهرها المرن، وستصبح حينها مجرد دائرة جامدة مفرغة من كل شيء يمكن أن يمتعنا بها..

سنفقد الإحساس بحياتنا، إن أصرّ كل واحد منا على أن يحفظ نفسه داخل قالب قابل للتجميد دائماً، بحيث يتشكل فيه على شكل واحد غير قابل للتغيير، وبالتالي ستعرفه الحياة بشكل واحد فقط، وهو كذلك، لن يعرف من الحياة إلا شكلاً واحدًا فقط، مع أنها أكثر سعة من أن يستطيع أي شخص منا أن يحتويها حتى بخياله.

والعادات الشخصية في جزء كبير منها مكتسبة، ويمكن ببساطة أن يتخلى الإنسان عنها، وأن يستبدل بها ما هو أفضل منها.. أفضل له ولمن حوله ممن يعنيه أمرهم ويجد أنه يسعد لسعادتهم ويتعس لتعاستهم.

المشكلة في رأيي، فقط تكمن في ميلنا لقولبة ذواتنا ونفسياتنا، وكثيرًا ما نعبر عن ذلك بعبارات من مثل «أنا هكذا»، كي نقنع أنفسنا بأننا خُلقنا على هذا النحو، ولا يجب علينا أن نسعى لتغيير عادة أو خصلة فينا مهما كان الثمن، بل يجب على الآخرين أن يتأقلموا معنا.

وأحيانًا نردد مثل تلك العبارة بصوت مسموع، كي نبعد عن أنفسنا أية محاولة ـ تبدو من وجهة نظرنا فاشلة مسبقًا ـ لتغيير عادة من عاداتنا الشخصية «غير الأصيلة فينا»، مع يقيننا أحيانًا بأنها قد تؤثر سلبًا على إحساسنا بسعادة ما، حتى لو كانت وقتية عابرة، إن تمسكنا بها، وفي الوقت نفسه لن تؤثر في طبيعة شخصياتنا إن تخلينا عنها.

بالطبع يوجد أشخاص على استعداد دائم للتغيير من أجل كسب رضى الآخرين، دون أن يروا في ذلك غضاضة، ولديهم رغبة مستمرة لأن يكونوا كبش الفداء في كل موقف، لكن الحياة ستفقد مذاقها بالنسبة لهم حين لا يجدون لهذه التنازلات مقابلاً، وحين يقررون التقولب كغيرهم.. ستكون الحياة أكثر جمودًا بالنسبة لهم، من أولئك الذين لم يجربوا تقديم التنازلات بعد.

جامعة الإمارات