مكمن الخطر الماثل في السودان ليس في الانفصال. شبح الحرب الرابض بين الغابة والسهل يجسد الخطر الأكبر على السودانيين. الانفصال لم يعد جرعة عصية ـ رغم مرارتها ـ على الازدراد. رقصة التانغو العرجاء بين شريكي الحكم هيّأت السودانيين للتسليم بحتمية الانشطار.

المؤتمر المهيمن في الشمال والحركة القابضة في الجنوب أخفقا في تكريس اتفاق نيفاشا من أجل تعزيز الوحدة الوطنية. اقتسام الوطن يمثل نهاية منطقية للفهم الخاطئ والممارسات الشائهة لمفهوم وتجربة الشراكة. ما حدث في غضون السنوات الست العجاف يمثل تجزئة ممرحلة للوطن الواحد. الشريكان لم ينسجا جهداً ثنائياً بغية تعزيز العيش المشترك بين الشمال والجنوب.

عديد من المضامين الوطنية حملت في سنوات الشراكة عناوين خاطئة أو جرى ترجمتها على نحو خاطئ. في الحالتين حدث ذلك عمداً مع سبق الإصرار. الشريكان يتحملان وزر ذلك بدءاً من مفهوم الشراكة وانتهاءً بالانفصال.

المؤتمر الوطني أخفق في تقديم ترجمة ناجعة لمضمون جاذبية الوحدة. الحركة الشعبية تنصلت من مفهوم السودان الجديد. مفاوضات ما بعد الاستفتاء عنوان مضلل. الصواب هو محادثات ما بعد الانفصال. تحت ركام تجربة الشراكة المتصدعة لم يعد للوحدة هامش.

ما لم تحدث معجزة، فالجنوبيون ذاهبون إلى إعلان دولتهم مطلع السنة الجديدة حتماً. مع اقتراب توقيت تحديد المصير يتصاعد صوت الانفصال في الجنوب على حديث الوحدة. هذه معادلة منطقية تحت سلطة حركة قادت حرب عصابات ضد سلطة مركزية ترجمها بأكثر من اتهام أقلها التهميش.

ما لم تنته «مفاوضات ما بعد الانفصال» إلى تسوية الملفات العالقة بين الشمال والجنوب، سينزلق كلاهما إلى مستنقع الحرب لا محالة. أي من الملفات يكفي لإعادة فتح جبهات القتال. القضايا المطروحة على الطاولة تشكل محاور الاقتتال قبل اتفاق السلام.

الحدود تمثل الإطار المكاني للسيادة. النفط هو عظم الثروة. الشهورة الستة المتبقية لن توفر الإطار الزماني لتسوية قضايا الماء والمراعي والمواطنة والديون. تلك فصول ما أسماه منصور خالد سيناريو يوم القيامة.

إصرار الشريكين على استبعاد القوى السياسية السودانية عن مفاوضاتهما الثنائية يزيد الحيرة أكثر من إثارة الحزن. الخرطوم استضافت أخيراً مؤتمراً دولياً يبحث ترتيبات الاستفتاء.

من المفارقات السودانية المثيرة لضحك كالبكاء، مشاركة ممثلين للأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الجامعة العربية، المؤتمر الإسلامي، وموفدين لدول أوروبية وآسيوية وأميركية مع غياب القوى السياسية السودانية.

المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ينصِّبان نفسيهما وريثين للدولتين الخارجتين من عباءة الوطن. إلمام الأحزاب والمنظمات الوطنية بخبايا الملفات العالقة يفوق بالضرورة إدراك كل الموفدين الأجانب.

حرص السودانيين يتجاوز بالضرورة ترتيبات الاستفتاء إلى تأمين السلام المستقبلي بين الدولتين، الأم والوليدة. من الصعب الجزم بإمكانية طي الملفات العالقة في غضون الشهور المتبقية على تحديد المصير. من المستحيل استبعاد شبح الحرب الرابض بين الغابة والسهل. حكمة الشريكين إبان السنوات الأخيرة لا تحرض على التفاؤل.

الحديث عن تنفيذ مشروعات في البنى التحتية الجنوبية لترجيح خيار الوحدة يبدو ضرباً من الهذر السياسي. هذا جهد هدر في وقت ضائع.

ما لم يتم إنجازه في ست سنوات لا يمكن بلوغه في ستة شهور. من حق الجنوبيين على الدولة المركزية تحقيق مشروعات إنمائية. الجنوبيون لن يتقبلوا مثل هذه المشروعات أكثر من كونها حقوقاً تأتي متأخرة جداً.

الأكثر جدوى للسودانيين في الشمال ـ وربما الجنوب ـ تحويل المبالغ المخصصة لهذه المشروعات المتأخرة إلى دارفور. من شأن هذا التبديل توفير أرضية تنأى بنا جميعاً عن الاصطدام بتوقيت جديد لتحديد المصير في الغرب بعد الجنوب.