قبل أسبوعين أو أكثر قليلاً، أطلق النائب وليد جنبلاط قنبلة سياسية مدوية، عندما طالب، بشكل مفاجئ لا تمهيد له، بإعطاء مجموعة حقوق للاجئين الفلسطينيين في لبنان (يقدر عددهم بنحو نصف مليون فلسطيني) تتمحور حول حق العمل.
وحق امتلاك شقة سكنية، وحق الاستفادة من الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، وحق السفر من غير قيود، فضلاً عن إجراء تحسينات خدماتية في المخيمات التي تشكو من غياب الصرف الصحي وشبكات المياه وتأهيل الطرقات الداخلية.
خلال الجلسة النيابية التي طرحت فيها هذه المطالب، قام نواب من أحزاب مسيحية («القوات اللبنانية»، حزب «الكتائب»، «التيار الوطني الحر» بقيادة العماد ميشال عون) برفض فوري ومتشنج للمطالب الجنبلاطية، الأمر الذي دفع جنبلاط إلى شن هجوم كلامي قاسٍ على اليمين اللبناني، معتبراً أنه «أغبى يمين في العالم».
لكن الاحتدام السياسي كان مدخلاً إلى نقاش معمق وتفصيلي، بين القوى السياسية المنضوية في تكتل 14 آذار، من أجل صياغة موقف عقلاني من المشكلات التي يعانيها الفلسطينيون.
هذا النقاش الذي أطلقه رئيس الوزارء السابق ورئيس كتلة «المستقبل» النيابية فؤاد السنيورة، كان محل تشاور وتباحث بين مكونات 14 آذار، وخصوصاً تيار «المستقبل» و«القوات اللبنانية» و«حركة التجدد الديمقراطي» والشخصيات المسيحية المستقلة في 14 آذار (الوزير بطرس حرب مثلاً)، حيث تم التوافق، وفق معلومات خاصة حصلنا عليها، على رأي متكامل في ستة ملفات:
1. تحديد الأشخاص المستفيدين من إقرار قانون الحقوق الإنسانية والاجتماعية (تستخدم 14 آذار تعبير الحقوق الانسانية، وتتحاشى تعبير الحقوق المدنية التي يفهم منها الحقوق السياسية، مثل التصويت في الانتخابات النيابية والاختيارية وحق حيازة الجنسية).
2. حق الإقامة للذين يحملون بطاقة صادرة عن وزارة الداخلية والبلديات، مديرية الشؤون السياسية.
3. حق التنقل والعودة وفقاً للأصول المنصوص عليها في القوانين اللبنانية.
4. العمل خارج إطار المهن الحرة (هندسة، محاماة، طبابة) التي لها قوانين تنظمها.
5. الحق في التعلم في المدارس والجامعات الرسمية.
6. حق الاستفادة من الضمان الاجتماعي، بالنسبة لمن يحملون بطاقة إقامة قانوية.
كما علم أن النقاش حاول أن يوفق بين مطلبين أساسيين:
- مطلب حصول الفلسطينيين على حقوقهم التي تكفلها لهم معظم الدول العربية.
- مطلب عدم التوطين، وعدم إعفاء المؤسسات الدولية (..) من مسؤولياتها القانونية حيال اللاجئين المسجلين لديها منذ العام 1948.
لكن هذا التوافق المبدئي، لم يشمل بعد حزب الكتائب ولا البطريركية المارونية. فحزب الكتائب لم ينتدب من يمثله في اجتماعات نواب تكتل 14 آذار.
وما زال الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل متحفظاً على الدخول السريع في الاستجابة للمطالب المرفوعة من الفلسطينين، خصوصاً أن الرئيس الجميل في عدة تصريحات له، رأى أن هذه المطالب قد تؤدي إلى التوطين، الأمر الذي استوجب عدم البت في النقاط التي باتت محل إجماع بين الفرقاء، إلى حين التشاور مع الرئيس الجميل.
أما البطريركية المارونية، فقد عبرت في آخر اجتماع للمطارنة الموارنة، عن موافقتها على الحقوق الإنسانية للاجئين «من أجل إخراجهم من الإهمال»، مشترطة أن تتجاوب المؤسسات الدولية ولبنان الرسمي معها، ورافعة شعار المطالبة بضبط السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها.
وخضوع المخيمات للسلطة اللبنانية، كشرطين رئيسين في مقابل إعطاء اللاجئين الفلسطنيين حقوقهم الإنسانية «لأن اللبنانيين يخشون من أن تتحول المطالبة الانسانية إلى قضية سياسية محلية، وإقامة اللاجئين إلى مقيمين دائمين، وأن يؤدي الامر إلى حرمانهم حق العودة وفرض توطينهم»، كما جاء في بيان المطارنة الموارنة.
المهم في الامر أنه للمرة الاولى تعكف القيادات المسيحية على بلورة موقف تفصيلي، عقلاني غير متوتر من المطالب الفلسطينية، بعيداً عن الحساسيات السابقة التي طبعت العلاقة بين هذه الاحزاب المسيحية والوجود الفلسطيني في لبنان.
فما هو ملاحظ الآن أن ثمة إجماعاً على أن العلاقات اللبنانية الفلسطينية (مع فصائل منظمة التحرير تحديداً)، قد خرجت من دائرة التوتر والاتهامات المتبادلة والتخوين، وافتتحت حقبة جديدة من النقاش غير المتشنج، والمنفتح على الاقرار بأن واقع الفلسطينيين الاجتماعي والانساني في لبنان، ليس مقبولاً بأي معيار إنساني من المعايير.
كما أنه من الملاحظ أن «القوات اللبنانية» التي كانت تشكل رأس الحربة في قتال الميلشيات المسيحية ضد الفلسطينين، هي التي تبدي اليوم انفتاحاً ملحوظاً على المطالب الانسانية للفلسطينيين.
فهل يكون هذا التغيير القواتي ثمرة التقارب الواضح بين «القوات اللبنانية» و«تيار المستقبل»، بحيث يمكن الحديث عن تجاوز الماضي الأليم نحو بناء علاقة فلسطينية قواتية سلمية وصحية؟
كاتب لبناني
adm.admco@gmail.com