لن نمل من القول إن اللغة هي مكون أساس من مكونات الشخصية، وملمح يميز بين الأمم والشعوب، وهي الجامع لوحدة النسيج الاجتماعي للوطن، وإن تعددت أعراقه وتنوعت أصوله..
وفضلا على ذلك فاللغة واحة أمان، وهي أنس وونس ورابط يجعلنا نستشعر أننا لسنا ريشة طائر تتقاذفها الريح وتلقي بها حيث تشاء مسلوبة الإرادة، بل هي الأرض الصلبة التي نقف عليها، ونعتز بها اعتزازنا بتاريخنا وحضارتنا.
ولأن قضية اللغة من القضايا عظيمة الشأن في طرحها، وعظيمة الشأن في تداعياتها وتداخل العوامل والمتغيرات المؤثرة فيها، فإن ما نراه على أرض الواقع من غربة وجفوة تتسع شقتها يوما بعد يوم بينها وبين أبنائها، وصل للحد الذي لا يمكن معه غض الطرف أو تجاهله.
ولا شك أن اللغة العربية قد عانت وما زالت من حرب شرسة، سواء من متربص خارجي بهذه الأمة يعرف مصدر قوتها وأسباب بقائها.. أو متربص داخلي من أبناء جلدتها الذين يتزينون بالزي العربي في كافة الأقطار، لكن قلوبهم وعقولهم ـ بجهل أو بوعي ـ ترى أن سبيل الخلاص والنهوض لن يكون إلا بتجاوز اللغة العربية العاجزة عن ذلك في تقديرهم..
ولا ننسى تلك الدعوات في بداية القرن العشرين، حين طالب بعض كبار المثقفين العرب بأن تكتب اللغة العربية في كل بلد كما ينطقها أهلها، كشكل من أشكال توثيق العامية ليزداد الخرق اتساعا على أي راقع.
وما يشغلني ليس هو بقاء اللغة العربية من عدمه، فالعربية باقية لأن الله أراد لها البقاء حين قال ؟إنا أنزلناه قرآنا عربيا؟، وهذا هو المصدر الأول لتأبي اللغة العربية وصمودها في وجه كل محاولات الطمس والتضييع، ولكن الركون إلى حفظ الله لها.
دون تقديم الأسباب البشرية من أهلها، هو نوع من التواكل غير المحمود، أو عدم الرغبة أو انعدام الإرادة ركونا إلى هذا الحفظ الرباني، والدلائل على ذلك عديدة، ولكني أنتقي بعضها علها تكون الأوضح والأكثر ظهورا في بلادنا العربية.
فقد استرعى انتباهي وأنا أشاهد إحدى المسرحيات لأحد مشاهير الكوميديا العرب على الفضائيات، أنه دون مقدمات وخروجا على السياق الفني، يخرج من اللهجة العامية للمسرحية ليتحدث باللغة العربية بشكل يدعو إلى الضحك والسخرية..
وأقحم مواقف من السيرة النبوية في هذا العبث الفني، واستمر في ذلك لاستجلاب مزيد من ضحك الجمهور، حتى وإن كان ذلك على حساب قيمة كبيرة كاللغة العربية وسيرة الرسول..
وذكرني ذلك بالاستهانة التي لاقتها اللغة العربية على يد صناع السينما، بل ومدرسها الذي يقدم دائما في أبأس حال وفي صورة تدعو إلى الشفقة والضحك في الوقت ذاته، وكأننا نبعث برسالة تحذير إلى كل راغب في أن يكون معلما للعربية، بأن هذا هو المصير المحتوم فاعرف كيف تختار!
ولم أجد أن الدراما العربية قد أنصفت اللغة، حتى في الأفلام التاريخية القليلة التي اتخذت من الفصحى أسلوبا للحوار بين أبطالها، فقدمت لنا أقواما يصرخون طوال الوقت وفي عصبية دائمة، ينتقلون من حرب إلى حرب بطريقة تدعو للتساؤل: أين حياتهم الاجتماعية؟ وكيف كان تعاملهم مع أبنائهم وزوجاتهم؟ ما هو مصدر كسبهم؟ وأين إبداعاتهم الشعرية والأدبية؟ كل ذلك أغفلته الدراما السينمائية!
على جانب آخر، ما زال هناك ادعاء يسيطر على أدمغة الكثيرين، بأن اللغة العربية عاجزة عن ملاحقة العلم وتطوراته، وأنه لا بد من تعلم اللغات الأجنبية. وأنا لست ضد ذلك، ولكن ليس كسبيل أوحد لتحصيل العلم والارتقاء، وإذا وضعنا ذلك على محك البحث العلمي، يثبت فشله.
والشواهد كثيرة؛ فمن ينظر إلى دولة مثل فرنسا أحرزت من التقدم في مجالات متعددة نصيبا وافرا، نجدها تعتمد اللغة الفرنسية في كافة تخصصات التعليم ومراحله، بل إنهم ينطقون الفرنسية كما يكتبونها، ولم نجد مثل الدعوات التي نسمعها في العالم العربي بحتمية تنحية اللغة العربية جانبا إذا أردنا النهوض، حتى وان لم تكن هكذا صريحة!
وحتى الكيان الغاصب إسرائيل أحيا لغة منسية، وأخرجها من لحدها وفرضها لغة أساسية في مراحل التعليم الأساسي، وفي الجامعات التي جاءت ثلاث منها ضمن أفضل خمسمائة جامعة عالمية، في الوقت التي غابت فيه الجامعات العربية بأسرها عن هذا التصنيف، رغم تشبثها بتلابيب اللغات الأجنبية.
والمثال الآخر الأكثر وضوحا، هو ذلك المارد الصيني الذي يبهر العالم يوما بعد يوم بما يقوم به في كافة مجالات العلم بثقة وهدوء، حتى دخل مؤخرا مجال الفضاء، ولم يعتمد يوما إلا على الصينية الفصحى في التعليم والتمثيل والغناء.. والأمثلة فوق أن تحصى.
الحق أن هرولتنا كعرب نحو تعلم اللغات الأجنبية في الوقت الذي نهمل فيه اللغة العربية، هو نوع من الهزيمة النفسية والانكسار الداخلي الذي نعاني منه، نتيجة تخلفنا وتقدم غيرنا الذي ولد لدينا الانبهار بكل ما هو غربي باعتباره صانع الحضارة، وهذا هو ما أكده ابن خلدون عن حالة إعجاب المغلوب بالغالب وانبهاره به، فيتشبه به في «شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»..
وهذا هو ما نراه واقعا ماثلا أمامنا من مسخ عربي مشوه، حول الواقع إلى صورة فسيفسائية لا تعرف لها بداية أو ملمحا يحددها!
حتى المؤسسات المعنية باللغة العربية في عالمنا العربي، كمجامع اللغة العربية، نجدها اكتفت بأن تغلق بابها على مجموعة من المتخصصين يخاطبون بعضهم البعض، دون أن يكون لعملهم مردود في الشارع العربي الذي بعد أبناؤه حتى عن لهجتهم المحلية، ونحتوا كلمات جديدة يستعصي فهمهما على أجيالنا.
إن عودة الوعي بأهمية اللغة العربية ودورها الحتمي في الرقي بمجتمعاتنا، لن تتحقق إلا بقيام المؤسسات المعنية باعتماد لغة صحيحة وبسيطة، تستوعبها كافة الشرائح بمختلف مستوياتها التعليمية، وستعتز الأجيال بلغتها يوم أن يجدوا المسؤولين في كافة المناصب.
يتحدثون بلغتهم العربية في المحافل الرسمية دون خجل، ويوم أن يسيروا في الشوارع فيجدوا أسماء المحال والمؤسسات قد كتبت بلغتهم دون اللغات الأخرى، أو أضعف الإيمان بجوارها، ويوم أن تكون المكاتبات بين المؤسسات الرسمية التي تصدر عن كافة الدوائر الرسمية تتم باللغة العربية.
ويوم أن يعي الإعلامي أن شرط إجادة اللغة العربية هو جواز المرور للنجاح والشهرة، وإلى قلوب الناس.. عندئذ سيدرك أبناؤنا أن لغتنا جميلة.
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com
