أصبح من المقرر أن يجرى الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا يوم 12 سبتمبر القادم، بعدما رفضت المحكمة الدستورية أجزاء رئيسية من حزمة التعديلات التي كان البرلمان قد أقرَّها قبل شهرين، والتي تعطي رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة لترتيب هيكل المحكمة المذكورة وديوان المحاكم وتعيين القضاة.

وأعادت المحكمة أجزاء أخرى من حزمة التعديلات المقترحة لعرضها على استفتاء شعبي، وذلك «لاستنباط رأي الشعب» حول هذه التعديلات التي تشمل 27 مادة في الدستور التركي الحالي.

ويعد قرار المحكمة العليا بمثابة نصف انتصار للحكومة التركية، لكنه في نفس الوقت نصف هزيمة لها. ففي الوقت الذي رفضت فيه المحكمة طلب المعارضة إلغاء الاستفتاء والتعديلات الدستورية.

المتعلقة بتركيبة الهيئة العليا للقضاء التي تشرف على تعيين القضاة والمدعين العامين، فإنها عدّلت مادتين تتعلقان بانتخاب واختيار قضاة الهيئة، دون أن تلغيهما، ما اعتُبر بمثابة حل وسط بين مطالب المعارضة والحكومة.

ويتيح التعديل للحكومة تحقيق هدفها في تغيير شكل الهيئة العليا للقضاء، وزيادة أعضائها من 11 الى 17، لكنه لا يتيح لها التدخل بشكل كبير في انتخاب هؤلاء، الأمر الذي أحبط آمال «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، الذي تأجل رهانه على الإمساك بمفاصل السلطة عبر السيطرة على السلطة القضائية.

فالآلية الجديدة ستمكّن الحكومة من التدخل في انتخاب مقربين لها ضمن الهيئة، ولكن ليس بالعدد المطلوب، ما يعني أن تغيير جميع أعضاء الهيئة بالشكل الذي تسعى إليه الحكومة، سيستغرق ما بين 5 و10 سنوات على الأقل، حسب رأي المراقبين للشأن التركي.

كذلك ألغت المحكمة الفقرة المتعلقة بإمكان تعيين أكاديميين من خريجي كلية العلوم السياسية، في الهيئة العليا للقضاء، معتبرة أن ذلك سيؤدي إلى تسييس القضاء، وتعيين غير أهل الاختصاص في مناصب حساسة.

وهذه المادة بالذات أثارت جدلا شديدا، بعدما اتهمت المعارضة الحكومة بالسعي إلى تغيير تركيبة الهيئة، عبر زيادة عدد أعضائها من 7 إلى 22، يعيّن الرئيس 4 منهم. ورأت أن ذلك سيؤدي الى تغيير تركيبة المحكمة الدستورية العليا أيضاً، بينما تتهم الحكومة الهيئة بتسييس القضاء واتخاذ مواقف إيديولوجية ضد مشاريع الحكومة وسياساتها.

ورغم أن عدداً كبيراً من المراقبين اعتبر أن قرار المحكمة الدستورية بمثابة حل وسط في الخلاف بين الحكومة والمعارضة، وأن القرار النهائي حول التعديلات سيتخذه الشعب في الاستفتاء، إلا أن الحكومة والمعارضة أبدتا عدم رضاهما عن هذا القرار الذي لم يكن متوقعا، الأمر الذي يعني أن كلا الطرفين كان يعول سياسيا على تمرير التعديلات أو وقفها، كل حسب موقفه منها، لكي يحقق مكاسب سياسية تتجاوز قضية التعديلات ذاتها.

وفي الوقت الذي تعهدت فيه المعارضة، بدعوة الشعب إلى التصويت ضد التعديلات الدستورية التي اقترحتها حكومة رجب طيب أردوغان، فإن المتوقع هو أن يتحوّل استفتاء سبتمبر الى استفتاء على شعبية حكومة «حزب العدالة والتنمية»، قبل الانتخابات التشريعية المقررة صيف العام القادم، طالما أن المعارضة ما زالت تطالب برفض هذه التعديلات.

وسيشكل ذلك فرصة مهمة لاختبار مدى قوة الزعيم الجديد للمعارضة، كمال كيليشدار أوغلو ونفوذه، وشعبية الحكومة التي كانت تناقش احتمال الاحتكام الى انتخابات مبكرة، إذا ألغت المحكمة الدستورية التعديلات والاستفتاء الشعبي.

وتكشف معركة التعديلات أن ثمة هوَّة شاسعة من عدم الثقة بين حزب العدالة والتنمية من جهة، وبين حزبي المعارضة العلمانية الرئيسيين في البلاد من جهة أخرى. ففي الوقت الذي تتهم فيه المعارضة الحزب الحاكم بأنه يخفي وراء الإصلاحات مخططا يرمي إلى إضعاف النظام العلماني والترويج للقيم الإسلامية، فإن حزب العدالة والتنمية يقول بدوره إن ما يقوم به هو مجرد تحدٍّ للنظام الشمولي، الذي يحدُّ من حقوق الفرد ويساوم على قضية ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي.

ولكن هناك نقطة أخرى جديرة بالإشارة، تتعلق بأن القضاء التركي عبر قرار المحكمة العليا، قد صعّب من قدرة الحكومة على السيطرة على مؤسسة القضاء، عبر إبطاله المواد التي تتيح لها ذلك، أو عبر تعديل بعض المواد التي وردت في التعديلات التي أقرها البرلمان.

ولكنه في نفس الوقت ترك المواد التي تضعف من قبضة المؤسسة العسكرية، حيث أقرت المحكمة المواد التي تتيح محاكمة العسكريين أمام المحاكم المدنية، فضلا عن أن التعديلات فتحت الباب أمام محاكمة قادة الانقلاب العسكري الذي وقع في تركيا عام 1980.

وكل ذلك يعني أن هناك توافقا لدى عناصر النخبة المدنية التركية وفي قلبها رجال القضاء، على الحد من تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، فضلا عن أن هذه النخبة المدنية تريد إنهاء الوضع الخاص الذي تحظى به المؤسسة العسكرية في الحياة التركية.

ويبدو أن النخبة العلمانية المترددة حول هذا الأمر، رأت أن يكون الرأي النهائي في هذا الوضع الخاص للجيش، في أيدي الشعب التركي الذي عليه أن يقرر في الاستفتاء المقبل، استمرار أو عدم استمرار هذه الوضعية.

وفي كل الأحوال فإن قرار المحكمة العليا التركية، حوّل صيف تركيا الراهن الى صيف شديد السخونة، فضلا عن أنه فرض على القوى السياسية أن تبدأ معركتها الانتخابية مبكرا، لأنها بمجرد أن تنتهي معركة التعديلات الدستورية سوف تبدأ الحملة للانتخابات البرلمانية، ما يؤكد أن الاستحقاقين السياسيين مرتبطان وغير منفصلين.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com