ماذا لو قمت باستفتاء ضم مليون شخص عن أحوال معيشتهم ورضاهم الوظيفي؟ ستحصل بطبيعة الحال على نسبة جيدة، بالإمكان القياس عليها، والتحدث عن «تحول». ماذا لو قصرت العينة على مائة ألف فقط؟ سيكون لا يزال بوسعك فعلاً التحدث عن عينة وان كانت «عشوائية» والخروج بخلاصات مفيدة.

الآن، إذا تكاسلت، أو لم يكن لديك متسع من الوقت، أو لديك بعض «الأهداف المضمرة»، أو أنك بكل بساطة غير لائق لمهمة البحث، وقمت باختصار عدد المستفتين من مليون إلى مائة ألف إلى ألف..

إلى ثلاثة؟ هل سيكون بوسعك أن تمضي بمشروعك، للخروج بخلاصات؟ وهل سيكون لديك الجرأة في بث هذه الخلاصات الهزيلة على مرأى مشاهدين للتلفزيون، يثقون، «عادة»، فيما تنقل إليهم من أخبار وصور، كونك محطة إخبارية لها تاريخ عريق في المهنية الصحافية.

كونك أنشأت مدرسة في أصول الاستقصاء وعدم التعميم وعدم زج الصور الأرشيفية في سياقات تكسبها معان مختلفة. كونك مؤسسة خرجت صحافيين بوحي من مدرستها، في العالم أجمع. كونك «بي بي سي»!

هذا فعلاً ما فعلته إحدى أهم المنظومات الاعلامية العالمية، ولأسباب قد تكون مجهولة أو بالإمكان تكهنها (هذا باب عريض قد يؤدي بنا إلى فخ الاستنتاجات) حين قامت بإنتاج شريط وثائقي بعنوان «دبي نهاية الأحلام»، أو «دبي العالم»، استعرض تأثير الأزمة المالية التي عصفت، ولا تزال، بالعالم أجمع، على حياة أربع شخصيات في دبي، من بينها مواطن بريطاني.

كان بوسع هذا الشريط أن يكون مادة معلوماتية، و«مسلية»، تروي حكايات محددة لشخصيات محددة، في بيئة يعيش فيها مئات الآلاف من البشر من أصقاع الأرض كافة، بمهن وملل مختلفة. كان بوسعه أن يكون شريطاً عادياً كغيره من تلك الربورتاجات التي تعرضها الشاشات ليل نهار، لو أنه لم يسقط في كم هائل من الأخطاء المبدئية التي لا يمكن لمؤسسة بحجم ال«بي بي سي» أن تقترفها.

رجل اعمال بريطاني امتلك شركة لتنظيم فعاليات يقف بعيداً عن الحشود ليلة افتتاح برج خليفة ويقول لمراسل القناة: «أنا موجود على الهامش. أسأل لماذا لم تقم شركتي بتنظيم هذه الفعالية؟». ها هو المواطن كيفن في مكان آخر، قريباً من مقر شركته يقول: «أشعر بالقلق. أخبرني الموظفون أن رجلاً من الحكومة يرتدي لباساً عربياً (!) يسأل عني».

هل شعرتم مثلي بحجم «الدراما»؟ هناك أكثر: في مشهد آخر نراه من لندن يهاتف زوجته التي تخوض معركة الحياة في دبي بعيداً عنه، فيما تبكي الابنة صارخة: أمي اريد العودة إلى دبي. هل تدحرجت دمعة على خدودكم؟ ربما.

لكن إليكم القصة الحقيقية بعيداً عن مشوقات ال«بي بي سي»: الرجل ما هو الا رجل اعمال بريطاني امتلك شركة تدهور وضعها، كما آلاف الشركات في العالم، لأنه عاش العصر الذهبي وحصّل في سنتين 4 ملايين جنيه استرليني وفيلا على جزيرة النخلة، فإن مرحلة الركود الاقتصادي لم يتمكن من التأقلم معها، فصب جام غضبه على دبي و«رؤيتها».

لماذا وكيف خسر هذه الثروة؟ لماذا يقول أنه ممنوع من دخول دبي ولماذا نجده فجأة أمام برج خليفة؟ أسئلة لم تفكر البي بي سي بالإجابة عنها، فولفت فيلماً من خمسين دقيقة حول «مأساة» بريطاني من أصل مائة ألف بريطاني يعيشون تحت شمس هذه المدينة ويحققون ثرواتهم ويؤثرون ويتأثرون كما غيرهم. أما في قصة العامل البنغالي والموظف المصري والملياردير الإماراتي، فلها سياق آخر.

ibrahimt@albayan.ae