كثيراً ما نسمع تساؤلات وجدلا كبيرا حول التصريحات التي تصدر عن المسؤولين الإيرانيين، خاصة عندما يتحدثون عن قوة إيران العسكرية وقدراتها على تدمير أعدائها وسحقهم، خاصة وأن هذه التصريحات غالبا ما ترتبط بإعلانات عن أسلحة حديثة تمتلكها القوات العسكرية الإيرانية، ويصل الأمر مرات عديدة إلى حد التصريح بأن هذه الأسلحة الحديثة هي صناعة إيرانية وبدون أي مساعدة أجنبية.

ربما يكون من حق النظام الإيراني، في ظل التهديدات والضغوط التي يواجهها سواء من الغرب وواشنطن أو من إسرائيل، أن يطلق مثل هذه التصريحات بهدف استعراض القوة وإبداء عدم الاهتمام والاستهتار بخصومه، وفي نفس الوقت يبث روح الحماس والوطنية في الشعب الإيراني ويجعله أكثر التفافا وتمسكا به.

ولكن هذا الأمر أحيانا يخدم أهداف الولايات المتحدة بينما يضر روسيا ويضعف من موقفها، خاصة عندما يكون الحديث عن الصواريخ، وقد سمعنا مؤخرا تصريحات لقائد القوات البرية في الجيش الإيراني أحمد رضا بوردستان يشير فيها إلى امتلاك القوات البرية الإيرانية أحدث المعدات العسكرية المتطورة والمصنعة محليا وتدريب أفرادها نظريا وعمليا على استخدامها ضد من وصفهم ب»الأعداء الطامعين في أراضي البلاد».

ويقول بوردستان في تصريحاته أنه بجهود وإمكانيات المتخصصين في الصناعات الدفاعية فان القوة البرية للجيش الإيراني في الوقت الحاضر مجهزة بأحدث أنواع الصواريخ المصنعة داخل البلاد، ويضيف قائلا »أقول بجرأة وثقة إننا نمتلك قدرة صاروخية عالية باستطاعتها إصابة أي هدف محدد، وأن هامش الخطأ في الصواريخ الإيرانية المتطورة وصلت إلى أدنى حد ممكن، وأن أي معتد سيكون في مرمى الصواريخ الجديدة».

مثل هذه التصريحات يصعب على الخبراء العسكريين تصديقها، وبالطبع لا تصدقها واشنطن وإسرائيل اللتان على علم جيد بكافة تفاصيل القوة العسكرية الإيرانية وكل ما لدى إيران من سلاح، ومصادرها في الحصول عليه أو تصنيعه داخل إيران، ولا يشك أحد في أن كل متر مربع في الأراضي الإيرانية مرصود جيدا من خلال الأقمار الصناعية وشبكات التجسس الأمريكية والإسرائيلية المنتشرة في هذه المنطقة.

والمحيطة بإيران من كافة الجهات، ولكن رغم هذا نجد واشنطن بالتحديد تعطي اهتماما واضحا لهذه التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين وتضخمها إعلاميا، وذلك بهدف استخدامها لتبرير كافة تصرفاتها ضد إيران أمام المجتمع الدولي، وأيضا لإقناع الأوروبيين بمبرراتها الواهية لنشر منظومات الدفاع الصاروخية وأنظمة باتريوت في أراضي دول أوروبا الشرقية، مثل بولندا وتشيكيا وغيرهما.

وتقول واشنطن إنها لا تقصد بها روسيا بل تقصد التهديدات القادمة من إيران، فنحن نسمع منذ أعوام الحديث يدور حول خطط واشنطن لإقامة درع صاروخي في أوروبا، وقيل إن هذا الدرع ضروري لحماية أوروبا من صواريخ إيرانية، والواقع أن هذه الرواية تسقط في أول مواجهة مع حقيقة أن إيران لا تقدر على إنتاج صواريخ حربية تستطيع الوصول إلى أوروبا، وأن كلام القادة العسكريين الإيرانيين في نجاح بلادهم في صنع الصواريخ الجديدة لا يعدو كونه مجرد استعراض ودعاية، فإذا كانت إيران لا تستطيع القيام بأعمال بناء المصافي النفطية لإنتاج البنزين من خلال الاعتماد على الذات فكيف لها أن تبني مصنعا لإنتاج تقنيات معقدة كالصواريخ؟.

ومن البديهي والمعروف جيدا للخبراء العسكريين أن الإنتاج الصناعي للصواريخ بكافة أنواعها ومداها أمر مستحيل دون إجراء عدد كبير من التجارب، ولا يمكن لإيران أن تجري تجارب الصواريخ سرا بعيدا عن أعين الآخرين.

واشنطن تستخدم التصريحات الإيرانية الصارخة والحادة لتحقيق أهدافها في تثبيت وجودها العسكري في أوروبا واستمرار ربط الأوروبيين بها أمنيا، خاصة وأن الأوروبيين بدأوا مؤخرا يفكرون في التخلي عن الاعتماد على الحماية العسكرية الأمريكية التي تكلفهم كثيرا، ويفكرون في تكوين منظومة أمنية أوروبية مستقلة عن حلف الناتو الذي تديره واشنطن لتحقيق طموحاتها واستراتيجياتها التوسعية بعيدا عن أوروبا.

هذا إلى جانب أن واشنطن تخشى كثيرا التقارب الروسي الأوروبي والمشاريع الأمنية المشتركة بينهما، ولهذا تقنع دول أوروبا الشرقية سرا بوجود مخاطر وتهديدات من روسيا حتى يقبلوا استضافة منظوماتها الصاروخية وقواعدها العسكرية على أراضيها حماية لها من أية طموحات روسية مستقبلية، بينما تعلن علنا أن التهديدات تأتي من إيران وليس من روسيا.

هكذا تستفيد واشنطن وتتضرر روسيا من تصريحات وصواريخ إيران.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru