تحتفل فرنسا منذ عام 1880 إلى اليوم بتاريخ غيّر مجرى التاريخ ليس على مستوى فرنسا بل على مستوى أوروبا والعالم: وهو الرابع عشر من يوليو. في مثل هذا اليوم (1789/7/14) سقط سجن الباستيل (وينطق بالفرنسية باستي) في يد الثوار، وفي نفس اليوم من عام 1790 أعلن قيام الفيدرالية.
ولكن الاحتفال السنوي الذي تشهده فرنسا يخص قيام الفدرالية أكثر منه سقوط سجن الباستي باعتبار أنه لا يجوز الاحتفال بيوم دموي كذلك الذي شهده سقوط ذلك السجن الشهير، والذي أطلق اسمه على الساحة التي وجدت فيها تلك القلعة قبل مائتين وعشرين سنة.
عندما سقط السجن فوجئ فاتحوه أنه لا يوجد به سوى بضعة من المساجين لا يتعدون أصابع اليدين. واختفى الآخرون، ومن بينهم الماركيز دو ساد الشهير بكتاباته (السادية ـ المستوحى من اسمه) واللاأخلاقية. ويبدو أنه تم نقل البقية إلى مكان آخر قبل وقت قصير.
إن سقوط الباستي (الذي حوله الأدباء والفنانون إلى أسطورة مروعة) هز أوروبا ووصلت آثاره إلى روسيا القيصرية. لقد كان يضم هذا المعتقل الذي يشبه معتقل غوانتنامو كل من يخالف أو يقف في وجه النظام الملكي الاستبدادي أو حتى من يقف في طريق الشخصيات الكبار في ذلك الوقت. ويبدو أنه كان على شكل قلعة تقع على هضبة عالية في وسط باريس، تنذر بمصير كل من تسول له نفسه الوقوف في وجه الملك أو علية القوم.
ومن الطرائف التي تذكر عن هذه القلعة، أن المقاول الذي قام بهدمها فتح دكانا صغيرا بجانبه وحول قطع السلاسل إلى أوسمة وطنية وأحجارها إلى خواتم قام ببيعها! ومن المفارقات العجيبة أن جسر الكونكورد الشهير بروعة التصميم والذي يصل بين الضفة اليسرى لنهر السين التي تقع عليها ساحة الكونكورد الشهيرة (التي أعدم فيها لويس السادس عشر) والضفة اليمنى التي يقع عليها مجلس الشعب (البرلمان) تم بناؤه من صخور سجن الباستي، ليرمز إلى العبور من الاستبداد إلى الديمقراطية.
وكما نعلم فإن لويس السادس عشر تم إعدامه باستخدام آلة المقصلة في ساحة الكونكورد، ويمكن مشاهدة ذلك المكان هناك، حيث كتبت الحادثة حفرا على أرضية الساحة قرب المسلة المصرية الشهيرة.
المهم في سقوط الباستي هو أن الكثير من الشعوب استمدت بعد ذلك من هذه الثورة الشعبية دافعا للثورة ضد الظلم والاستبداد وسببا في الانتقام. ومنها روسيا القيصرية. وأصبح الباب مفتوحا للعديد من الشعوب الأخرى التي كانت تعاني من وطأة الظلم والاستبداد أن تقف في وجه أنظمتها الاستبدادية. إن الثورة الفرنسية لم يكن وراءها المفكرون والأدباء والمنظرون والساسة وإنما الشعب الجائع المهضومة حقوقه.
وعندما يجوع الشعب لا يمكن إسكاته إلا من خلال توفير الحياة الكريمة له. فقطعة الخبز وسعر الحبوب هو السبب الرئيسي في انقلاب النظام الملكي في فرنسا قبل أكثر من مائتي عام. والثورة الإسلامية في إيران قبل 30 عاما لم يكن خلفها رجال الدين والفلاسفة، وإنما الشعب الجائع وهو يرى ولي أمره يأكل أمامه في صحون من الذهب والفضة، غير أن رجال الدين استفادوا من تململ الشعب من حاكمه ليغيروا مسار تاريخ إمبراطوريتهم إلى جهة معاكسة تماما.
إن الاحتفالات بالرابع عشر من يوليو في باريس تبدأ من الساعات الأولى من صباح ذلك اليوم حتى فجر اليوم التالي. ويشكل العرض العسكري في شارع الشانزليزيه من سمات ذلك الاحتفال، حيث تعرض فرنسا آخر ما توصلت إليه في صناعة الأسلحة القتالية والدفاعية برا وجوا. وهو مشهد مؤثر يقشعر له البدن وتتناقله كافة وسائل الإعلام العالمية بالبث الحي المباشر.
ولا نجد له مثيلاً في دولة أخرى. خاصة في استعراض الطائرات النفاثة التي ترسم علم فرنسا بالأزرق والأبيض والأحمر في سماء العاصمة باريس. وتصر فرنسا في مثل هذه الاحتفالات على دعوة العديد من رؤساء دول العالم التي تربطها بفرنسا علاقات اقتصادية بارزة أو لها مصالح خاصة معها.
ويواظب معظم رؤساء دول أفريقيا التي كانت تشكل في السابق مستعمرات فرنسية في التواجد على منصة الرئيس الذي يشعر بالغبطة وهو يرى رؤساء الدول التي استعمرتها فرنسا قد تحررت وتجلس بجانبه.
وكان من بين المدعوين هذه السنة ملك المملكة العربية السعودية الملك عبد الله بن عبد العزيز، ولكن العاهل السعودي ؟ الذي نسبت إليه صحيفة الفيغارو على موقعها الالكتروني قوله بأنه يتمنى زوال إيران وإسرائيل - ألغى زيارته احتجاجا، وأناب عنه وزير خارجية المملكة الأمير سعود الفيصل لحضور هذا الاحتفال.
إلى هنا وصلت فرنسا من الثورة الدموية إلى الاستعراض العسكري بعد أن ثبتت أقدامها في شتى الجوانب العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وحتى الأدبية.
جامعة الإمارات
