أخيرا بدأ نزيف الصراع الصومالي المستمر منذ 20 عاما، يغرق أراضي أخرى خارج الصومال. فقد هز انفجاران قويان العاصمة الصومالية مساء الأحد الماضي، بينما كان العالم مشغولا بمتابعة المباراة النهائية في كأس العالم لكرة القدم.
وأعلنت جماعة شباب المجاهدين، الصومالية المسلحة، مسؤوليتها عن الهجوم. وتعامل مسؤولون غربيون ووسائل إعلامية غربية مع تلك التهديدات على أنها موجهة ضد الحداثة، والتي من معالمها كرة القدم، ووضعوها في خانة التهم الجاهزة من جانب الغرب، ضد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وأمثاله ممن يختلفون مع الغرب في الرأي.
الأسوأ من ذلك أننا قد نكون بصدد سماع دعوات للتدخل أكثر في الحرب الأهلية الصومالية المتجددة، التي باتت لها الآن امتدادات وعواقب دولية خارج حدود الصومال. لكن على الغرب والولايات المتحدة بصفة خاصة، أن يبقوا بمنأى عن ذلك.
ورغم الادعاءات بأن جماعة شباب المجاهدين ترتبط بتنظيم القاعدة، فان هذه العلاقة لا تعدو كونها تشجيعا كلاميا فقط. ورغم كل التحذيرات من الأخطار التي تشكلها «دولة فاشلة» كالصومال في القرن الإفريقي، على مصالح الولايات المتحدة وأمنها، فإن هذا الخطر هامشي في أحسن التقديرات.
للولايات المتحدة تاريخ طويل من التدخلات في الصومال. وقد سعت هي والاتحاد السوفيتي السابق لخطب ود الدكتاتور الصومالي الأسبق محمد سياد بري، خلال فترة ما بعد الاستعمار الغربي للصومال.
وفي العام 1991 أطاحت ميليشيا معارضة بنظام بري، وحولت العاصمة مقديشو إلى ساحة حرب لقي خلاها أكثر من 20 ألف شخص مصرعهم. واجتهدت الميليشيات في الاستيلاء على مساعدات الغذاء التي كانت ترسلها الأمم المتحدة، ومبادلتها بالسلاح. هذا الوضع أدى إلى تدخل بقيادة الولايات المتحدة، لضمان توزيع عادل للغذاء على الشعب الصومالي الذي كان يتضور جوعا.
وفي العام 1993 اضطر الرئيس الامريكي الأسبق بيل كلينتون، إلى إصدار أوامره بالانسحاب من الصومال، بعد هزيمة نكراء أمام قوات الجنرال محمد فارح عيديد غير النظامية، وهو ما ترك أثرا نفسيا سيئا لدى الأميركيين.
لقد سمحنا في نهاية التسعينات بظهور نوع جديد من الصوماليين الذين يفضلون التجارة على الحرب، وكانت السنوات الأولى من القرن الحالي أفضل كثيرا بالنسبة للشعب الصومالي، في ما يتعلق بمستوى المعيشة والخدمات. وفي أقل من عقد من الزمن، تحول الصوماليون من مواجهة الموت جوعا إلى «الرخاء بالمعايير الإفريقية».
وبشكل لا يصدق، وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، بدأت واشنطن في التعاقد مع نجل عيديد، وهو جندي سابق في البحرية الأميركية، ومع عدد آخر من أمراء الحرب الصوماليين، لمحاربة القاعدة التي خشي مساعدو بوش من أن تعمل بحرية في ظل فراغ السلطة في الصومال.
لكن ملايين الدولارات، التي أنفقت نقدا وعلى شراء الأسلحة، لم تنتج إلاّ صراعا جديدا على السلطة بين الفرقاء الصوماليين الذين تجاهلوا القاعدة تماما.
التدخل الأميركي في الصومال يذكرنا بالتدخل الأميركي في فيتنام في ستينات القرن الماضي. لقد كان من أهم المفارقات التي أفرزتها حرب فيتنام، وجود «حرب أميركية» بديلة عن الحرب الحقيقية. وخلال سنوات الحرب كان من اللافت ذلك الكم الهائل من الصور عن الأهوال التي تعرض لها الفيتناميون، والتي نشرت داخل الولايات المتحدة. وقد طغت على الهزيمة المذلة التي لحقت بالقوات الأميركية هناك.
ورغم التعاطف الكبير مع المأساة الفيتنامية، فإن السينما الأميركية عندما تناولت الموضوع قلبت المعادلة رأسا على عقب، وأظهرت فقط معاناة الجنود الأميركيين خلال الحرب. لقد بدا أن السينما الأميركية تتحدث عن حرب أميركية وبعيون أميركية، وليس عن حرب حقيقية. وتمكنت من أن تزيح من مخيلة الأميركيين وغيرهم صور المآسي الفيتنامية، أو على الأقل أن تضعها على قدم المساواة مع «المآسي الأميركية» عند الحديث عن الحرب.