تمر العلاقات بين روسيا وإيران بأزمة كبيرة، تزيد من المتاعب الكثيرة التي تعاني منها طهران. فقد تدهورت العلاقات بين هذين البلدين، مع الإرهاصات الأولى لتبدل الموقف الروسي من الملف النووي الإيراني في سبتمبر عام 2009، حين أشار الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف، لأول مرة، إلى أن روسيا التي تتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي والتي تمتلك حق النقض فيه، قد لا تعارض جولة جديدة من العقوبات يفرضها المجلس على طهران.

إشارة الرئيس ميدفيدف هذه، جاءت عقب تسرب معلومات استخبارية عن قيام إيران سراً بإنشاء وحدة لتخصيب اليورانيوم في مدينة قم، دون إعلام الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن ذلك. إلا أن القشة التي قصمت ظهر البعير، جاءت حين أعلنت طهران في فبراير الماضي عن بدئها في تخصيب اليورانيوم حتى نسبة 20%.

هكذا انتقلت روسيا من موقف غير المتيقن من حقيقة النوايا الإيرانية، إلى موقف المتيقن من حقيقتها، ووجدت نفسها بناء على ذلك في صف واحد مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، ملزمين برفع سقف العقوبات على طهران في جولة رابعة.

وإثر ذلك تراجعت موسكو عن التزاماتها بتزويد طهران بمنظومة الصواريخ إس-300 المضادة للجو، واستنفرت مختلف القنوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية الروسية، للتناغم مع موقف روسيا الجديد الذي يتلخص بمضاعفة الضغوط على طهران، لإرغامها على التخلي عن برنامجها النووي المثير للجدل.

من جانبها اتهمت إيران روسيا بالخضوع للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، واتخذت بعض الإجراءات التي تعبر عن استيائها من الموقف الروسي الجديد، كان أولها إلغاء زيارة كبير المفاوضين الإيرانيين أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني سعيد جليلي، إلى موسكو التي كانت مقررة في 26 يناير الماضي، أعقب ذلك قيامها بإصدار قرار في الثامن من مارس بالاستغناء عن خدمات الطيارين الروس العاملين في طيرانها التجاري، وأمهلتهم مدة شهرين لمغادرة إيران.

ورغم التسخين في التصريحات بين الجانبين، اعتبر معظم المراقبين أن البرود في العلاقات بين روسيا وإيران لن يدوم طويلاً، لأن هناك مصالح تجارية واسعة تربط اقتصاد البلدين، كما أن لديهما مشتركات في بعض الأجندة السياسية للحد من تسلط الولايات المتحدة.

إلا أن هذا التفاؤل لم يكن في محله، إذ سرعان ما اضطر هؤلاء المراقبون إلى إعادة النظر في حساباتهم، في ضوء ما صرح به الرئيس الروسي ميدفيدف في الثاني عشر من يوليو الجاري، من أن إيران تقترب من امتلاك القدرات النووية التي يمكن أن تسمح لها بامتلاك الأسلحة النووية، في تأكيد على أن روسيا ستكون أكثر حزماً في التعامل مع الملف النووي الإيراني.

وقفت روسيا خلال السنوات المنصرمة وهي تمسك العصا من منتصفها، بين إرادة المجتمع الدولي الذي يتشدد إزاء أية بادرة أو نوايا كامنة لحيازة سلاح نووي، وبين إرادة إيران وإصرارها على الاستمرار في تطوير برنامجها النووي والوصول إلى نهايته، وهي حيازة القدرات التقنية نظرياً وتطبيقاً لدورة الوقود النووي، ابتداء من تخصيب اليورانيوم وانتهاء بتصنيع صفائح الوقود، على الرغم من أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد وجدت أكثر من دليل مثير للريبة، حول النوايا الحقيقية لهذا البرنامج.

إيران النووية تقلق روسيا أكثر مما تقلق الولايات المتحدة أو دول أوروبا الغربية، وذلك لأسباب جغرافية، فروسيا لا ترغب أن ترى دولة نووية أخرى تقبع على بعد يقل عن مئتي كيلومتر من حدودها الجنوبية، فذلك يربك منظومة دفاعاتها ويحمل ميزانية أمنها القومي عبئاً إضافياً.

العلاقات بين روسيا وإيران ترجع إلى القرن السادس عشر، حين تأسست الدولة الصفوية في إيران، وقد اتسمت منذ ذلك الحين بالتقلبات بين صفو وهدوء أو توتر وتنافس، فهناك الكثير من المشتركات الاقتصادية والاجتماعية بينهما. إلا أن علاقاتهما قد تحسنت بعد زوال الدولة الصفوية ومجيء الدولة القاجارية منتصف القرن الثامن عشر، وذلك لأن الأخيرة أقل رغبة في تسويق أيديولوجيتها المذهبية إلى دول الجوار.

أما في الحال الحاضر، فإن روسيا لا تنظر بعين الرضى إلى ما تقوم به إيران منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، على محورين: داخل روسيا أولاً، ثم في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية ثانياً.

فمع سقوط الاتحاد السوفيتي حدث فراغ أمني في الدولة الروسية الجديدة سمح للنظام الإيراني، الذي لا يخفي توجهاته الصفوية، بالعمل على توسيع مساحات هيمنته الأيديولوجية بين مسلمي روسيا (الآذاريين بشكل خاص) الذين يربو عددهم على العشرين مليون مسلم، يقطن أغلبهم في منطقتين رئيسيتين في روسيا: الأولى منطقة الفولغا قلب روسيا في ست جمهوريات (تترستان وبشكيريا وتشوفاش وموردوفيا وماري يل وأودمورت وأورنبرغ).

والثانية منطقة القوقاز في جنوب غرب روسيا، وتشمل سبع جمهوريات (داغستان والشيشان وإنغوشيا وقبردينو ـ بلقاريا وأوسيتيا الشمالية ـ ألانيا وقرة تشاي شركسيا وأديغا). وهناك ما يقرب من خمسة ملايين من هؤلاء ينتشرون في الأراضي الروسية، من حدود الصين واليابان شرقاً إلى حدود فنلندا غرباً، نسبة كبيرة منهم (آذاريون) تقطن العاصمة موسكو.

كما أن سقوط الاتحاد السوفيتي قد منح إيران حرية أكبر للعمل على توسيع نفوذها في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية، في الوقت الذي ترى فيه روسيا أن هذه الجمهوريات تقع ضمن نطاق أمنها القومي.

هناك احتمال كبير لأن لا ينجح جميع ما اتخذ من إجراءات ضد طهران، في منعها من حيازة السلاح النووي، فالعمل العسكري نفسه قد لا ينجح في ذلك. وحين نلقي نظرة سريعة على مسيرة أربعة عقود من الزمن مرت منذ تأسيس الوكالة الدولة للطاقة الذرية، نرى أن المجتمع الدولي لم ينجح في منع إسرائيل أو الهند أو الباكستان أو كوريا الشمالية، من حيازة السلاح النووي.

ونجح فقط في حرمان العراق من ذلك. حصول طهران على السلاح النووي يترك روسيا في وضع أكثر حراجة من غيرها، ويدفع العلاقات الروسية الإيرانية إلى المزيد من التدهور، خاصة بعد أن انتقلت موسكو إلى المعسكر المناهض لطهران.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae