اعتبرت نخبة الخبراء السياسيين على مستوى العالم، أن موقف روسيا بشأن القضية الإيرانية قد تغيّر تماما، وذلك بعد موافقة موسكو على القرار 1929، الصادر من مجلس الأمن الدولي أخيراً بشأن العقوبات المشددة على إيران، وأيضا تصريحات الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف المتكررة بأن «في بعض الحالات لا مفر من العقوبات».
ولكن لا يلاحظ الكثيرون أن ميدفيديف، قد أعلن أكثر من مرة أن «العقوبات لا تؤدي إلى حل فعال. إن هدفنا هو تحديد مجموعة من الحوافز تسمح بحل مشكلة الاستخدام السلمي للطاقة النووية من ناحية، ومنع إنتاج الأسلحة النووية من ناحية أخرى».
الآن بعد إقرار العقوبات، يدور جدل كبير حول مصير صفقات السلاح المعقودة بين موسكو وطهران، وما إذا كانت تشملها العقوبات أم لا، وخاصة صفقة منظومات الدفاع الجوي الصاروخية «س-300»، هذه المنظومة التي وقعت إيران الاتفاق عليها مع روسيا، بقيمة تقارب مليار دولار أميركي في عام 2007.
وقد ناشدت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، موسكو مرارا الإحجام عن تزويد طهران بالوسائل الدفاعية، التي تستطيع أن تشكل خطرا على طائرات هاتين الدولتين إذا أرادتا ضرب إيران.
الحقيقة أن الاتفاق على بيع منظومة «س-300» لإيران تم بشكل شبه سري، ولم يعلن عنه في وسائل الإعلام، لكنه كان معروفا لدى بعض الدوائر الحكومية في روسيا. وقد تم توقيع الصفقة على أن يتم التسليم في العام الجاري 2010، والآن أصبحت هذه الصفقة محل تساؤل؛ هل تشملها العقوبات أم لا؟
الرأي المنطقي أنه لا تشملها العقوبات باعتبارها أسلحة دفاعية، لكن رأيا آخر يرى أن هذه المنظومة، رغم أن وظيفتها دفاعية، إلا أنها أكبر وأقوى من أن توصف بأنها مجرد سلاح دفاعي، بل تخضع على الأرجح لوصف «سلاح استراتيجي».
ويتحجج أصحاب هذا الرأي بأن روسيا ترفض نشر واشنطن لمنظومات صواريخ باتريوت في أراضي بولندا المجاورة، رغم أنها في الواقع منظومات دفاعية، فلماذا تتعامل بشكل آخر مع منظومة «س-300»؟
المشكلة لدى روسيا ليست في ماهية السلاح، سواء أكان دفاعيا أم هجوميا، بل المشكلة أن روسيا تريد أن تبيع السلاح، والمجمع الصناعي الحربي الروسي يحتاج لمثل هذه الصفقات الكبيرة، وقد أكدت مصادر مطلعة أن روسيا أوقفت بالفعل توريد منظومات «س-300» لإيران، إلى حين استيضاح الوضع السياسي في ضوء العقوبات الجديدة، رغم بدء إيران بدفع قيمة الصفقة.
وبينما قال أحد المصادر إنه لا ينتظر أن تترتب على هذا عواقب مالية خطيرة على روسيا، أشار مصدر آخر من مجمع الصناعات العسكرية الروسية، إلى إمكانية أن يواجه هذا القطاع عواقب سلبية تتمثل في فقدان السوق الإيراني لمدة طويلة.
الغريب في الأمر أنه كانت قد ثارت شائعات في مطلع العام الجاري، تقول إن الصفقة بدأ تنفيذها بالفعل، وأن إيران استلمت وحدات من هذه المنظومة، بل قيل إن السفينة الروسية «اركتيك سي» التي كانت قد اختطفت في يوليو من العام الماضي من قبل جهات مجهولة، كانت تحمل أجزاء من هذه المنظومة متوجهة بها إلى إيران، وأن جهات قررت اختطافها ثم إعادتها لروسيا فقط، من أجل أن تعرف موسكو أن واشنطن وإسرائيل على علم بهذه الصفقة السرية.
وقيل أيضا إن الزيارة السرية التي قام بها رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو لموسكو في سبتمبر الماضي، كانت بهذا الشأن.
ولكن لا أحد يستطيع أن يؤكد هذه الشائعات، كما لا يستطيع أحد أن ينفيها تماما، خاصة وأن مصادر في المؤسسة الصناعية العسكرية الروسية، تقول بأن الصفقة بدأ تنفيذها بعدما بدأت إيران في سداد قيمتها، بينما مؤسسة «روس اوبورون اكسبورت» التي تدير الصادرات الروسية من الأسلحة، وشركة «الماز انتاي» المصنعة لمنظومات الدفاع الجوي، رفضتا التعليق على أي شيء.
الكريملين لا يعطي تصريحات بشأن هذه الصفقة، بينما الخارجية الروسية كانت قد أعلنت أن هذه المنظومة لا تشملها العقوبات. وهكذا تلعب موسكو على الحبلين، ويظل الغموض قائما، ولا أحد يعرف بالتحديد هل صفقة «س-300» ما زالت قائمة بين روسيا وإيران أم لا؟ وهل استلمت إيران هذه المنظومة أو أجزاء منها أم لا؟
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي
mekhaelovna@mg.ru