هل جرب أحدنا أن يرى نفسه «الآن» بعينيه وهو «طفل صغير»؟ كأن يحاول وضع نفسه وهي بصورتها الحالية في إطار، ثم يتحرر منها تحررا تاما، ويعود طفلا صغيرا.. أقصد ذلك الطفل الصغير نفسه الذي كأنه قبل عقدين أو ثلاثة، على حسب عمره بالطبع، بشرط أن يختار من مراحل عمره أقرب مرحلة إلى نفسه..

المرحلة التي يشعر دائما بالحنين إليها، ويتمنى لو يعود لها إن خُيِّر بينها وبين واقعه الحالي، ثم ينظر إلى نفسه التي وضعها في الإطار بعيني ذلك الطفل.. ماذا سيكون إحساسه تجاهها؟ هل سيشعر أنها تمثله؟

هل سيشعر أنها قريبة من نفسه، وأنها تمثل الامتداد الطبيعي له وهو في تلك المرحلة؟ إنها واحدة من التجارب التي يمكن أن يعيشها كل إنسان بين حين وآخر مع نفسه، دون مشاركة أطراف خارجية، سوى نفسه ونفسه فقط، في مرحلتين مختلفتين من مراحل حياته.

شخصيا، عشتُ هذه التجربة الذاتية، وانتزعتُ «نفسي» من «نفسي» ووضعتُها في الإطار، وتأملتُها كثيرا بعيوني ونفسيتي وأفكاري وأنا طفلة في المرحلة الابتدائية العليا، هذه المرحلة التي أحبها جدا، وأُكْثِرُ من تذكرها، وأكاد أعيشها بيني وبين نفسي مرارا بكل تفاصيلها.

لأنني كنتُ حينها في أقصى حالات سعادتي واعتزازي بنفسي على مستوى فترة الطفولة، سواء في البيت أو المدرسة أو في المحيط الاجتماعي من حولي، وقد شعرتُ بألفة تجاه صورتي وأنا كبيرة، بسبب التشابه الكبير في النفسية والمزاج والطموحات والرغبات.

ظننتُ للحظة أنني ربما انتقلت مباشرة من مرحلة الابتدائية تلك، إلى المرحلة الحالية التي وضعتُها في الإطار، دون مراحل وسيطة، لكن المراحل الوسيطة موجودة، سواء اعترفنا أو أنكرنا، وهي في نظري ضرورية كي يدرك الإنسان واقعه ويحدد خياراته بعد ذلك.

إن وضع الصورة في الإطار لا يعني تجميد النفس، بل يعني تجديدها وبعث الحياة فيها مرة بعد مرة، فوضعها في الإطار ومحاولة الانفصال عنها والنظر إليها عن بعد، يمكن أن يجعلنا أكثر تحررا من قيود تمنعنا عادة من الوصول إلى مواضع ضعفنا أو الاعتراف بها، حتى إن وصلنا إليها، وتجبرنا على أن نغض الطرف عن عيوبنا وانكساراتنا التي تشطرنا أنصافًا، بإرادتنا أو رغمًا عنا، فكيف إذا كان النظر إليها بواسطة عيوننا ونحن في أكثر مراحل حياتنا قربا من أنفسنا، وأكثرها تمثيلا لنا!

لا شك أن مثل هذه النظرة ستكون بالغة التأثير على حياتنا بعد خوضنا هذه التجربة، حتى إن كانت نتيجة النظرة عكسية، أي إن شعر الشخص أن هذا الموجود في الإطار لا يشبهه نفسيا ومعنويا.. إذ لا بد أن يكون لمثل هذه النتيجة السلبية تأثير إيجابي على سيرورة حياة الشخص بعد ذلك.

لا أعتقد أن الوضع سيكون متشابها إن عكسنا الأطراف، واحتفظنا بأنفسنا كما هي في وضعها الحالي، خارج الأطر والبراويز، ونظرنا منها إلى صورة من صورنا ونحن في إحدى مراحل حياتنا السابقة، الموجودة بطبيعة الحال في إطار أو ألبوم صور، حينها لن تكون درجة تأثير تلك الصورة علينا بنفس درجة تأثير النظرة المعاكسة، المخالفة للوضع الطبيعي.

وذلك لعدة أسباب؛ أولها أن الحنين سيتغلب على جميع الأحاسيس التي يمكن أن تتلبسنا حين ننظر إلى صورتنا ونحن صغار، وثانيها أن كل ما يأتي مخالفًا لسيرورة الحياة الطبيعية يكون أثره في النفس أكثر عمقا ـ سلبا أو إيجابا ـ مما يأتي موافقا لها، وثالثها أن كثيرا من الأمنيات والمخططات تُرسم في النفس وتتشكل في وقت مبكر، ومن الطبيعي أن يحرص كل واحد على أن يتتبع الخط الذي رسمه لأحلامه وأمنياته..

ووَضْعُ صورتنا القديمة في الإطار، يساعد في ممارستنا لهذه المتابعة على نحو ما، وبذلك يمكن لذلك الطفل الذي كنّاه يوما، أن يحكم علينا في الوقت الحالي: إن كنّا قد حققنا تلك الأحلام البيضاء ووصلنا إلى ما كنا نطمح إليه، أو أننا تعثرنا ولم نتمكن من النهوض من عثرتنا، فوقفنا في مكان في منتصف الطريق، أو أننا غيرنا تماما ما كنا قد خططناه ورسمناه واتجهنا وجهة ـ أو وجهات ـ أخرى؟

ويمكن أن نضيف أخيرا، أن النظر بعيون الطفل الصغير إلى صورتنا ونحن في سن متقدمة، سيستحضر المسافات الزمنية الممتدة بين هاتين المرحلتين، ويشعرنا بما مررنا به من حالات صعود وهبوط، وانقباض وانفراج، كلما أخذت خطواتنا في المضي قدمًا في العمر والزمن والخبرة والنضج.

وهذا الاستشعار بالتقدم الزمني من مرحلة مبكرة إلى مرحلة متقدمة، هو الذي سينبهنا في لحظة ما إلى حقيقة خصوبة حياتنا، إن كانت مثمرة أو عقيمة، كل بحسب شخصيته وهمته.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com