بعد 30 يوماً من الفرجة المراوحة بين النشوة والخيبة، هانحن نعود إلى قواعد أمزجتنا العتيقة. المونديال موسم عالمي بلا شبيه. جنوب افريقيا ظلت قبلة كل الشعوب تحت مظلة البث الفضائي. وحدهم الصينيون مختبئون كعادتهم خلف سورهم العظيم.

كرة القدم لم تعد مجرد لعبة رياضية. في كتابه الموسوم «الناس والعاطفة في الرياضة» قال الصحافي البريطاني أرثر هوبكرافت: «ما عادت كرة القدم مجرد ظاهرة بل قضية يومية». الكتاب الصادر في العام 1968 يعتبر أفضل مرجع مكتوب عن هذه اللعبة. قارئ الكتاب يتفق مع الكاتب حتما على أن تجاهل كرة القدم أضحى أكثر شذوذا من الشغف بها.

بعد شهر من توزيع انتماءاتنا المصدرة بفعل فائض إحباطاتنا على قارات الدنيا ها نحن نؤوب إلى مداراتنا العتمة. تأثير ما يجري داخل المستطيل الأخضر المونديالي أبعد صدى جماهيري مما يحدث على خشبة أي مهرجان مسرحي.

مثل كل الآباء فقد «أبو الفنون» في هذا العصر سطوته إذ لم يعد شعار «اعطني مسرحا أعطيك أمة» الذي رددناه في صبانا نافذا. إيقاعات اللاعبين أضحت أكثر بلاغة من قصائد الشعراء.

كرة القدم باتت تشكل أكثر مكونات الهوية الوطنية سحرا وجاذبية. هذه ميزة يستثمرها الساسة المعاصرون خاصة المنهكين منهم بغية تجاوز مآزقهم وعثراتهم.

العالم قاطبة شاهد المستشارة الألمانية انغيلا ميركل ترقص طربا، وهي تتابع في الملعب فوز منتخب بلادها على الأرجنتين بأربعة أهداف نظيفة. الشعور القومي يتصاعد في كل وطن مع كل انتصار في المستطيل المونديالي.

رهان ميركل يتجاوز آمال جميع الألمان من أجل منحها على الأقل هدنة داخلية. المستشارة تواجه قلاقل داخل ائتلافها المضطرب وعقبات اقتصادية. الفوز في جنوب أفريقيا يمنحها وسط الفرح القومي متنفسا مؤقتا لو كان خادعا.

الاعتداد الوطني تعرض إلى صدمة جارحة في فرنسا وإيطاليا تحت فاجعة الخروج المبكر من المونديال. نيكولا ساركوزي قصد تضميد الجرح القومي باستدعاء لاعبين إلى الاليزيه. الرئيس الفرنسي هدف الى رتق الفتق الرياضي حتى لا يوسع أزماته الداخلية.

مثل ميركل راهن ساركوزي على انتصار مونديالي يعزز شعبيته المتهاوية. بدلا عن جمهورية تسمو فوق الخزي كما وعد الفرنسيين، تصاعدت أخيرا روائح الفساد من إدارته الحكومية. الاخفاق الكروي زاد فضائح ساركوزي على نحو فتح ملفا جديدا في ملفات التحقيقات الفرنسية السياسية.

الرئيس النيجيري غودلك جوناثان مضى أبعد من ذلك، فأصدر قرارا يحظر على منتخب بلاده المشاركة في المنافسات الخارجية. جوناثان رأى في أداء المنتخب كارثة تلحق الأذى بالشعور الوطني.

صورة نيجيريا القاتمة جاءت مغايرة تماماً لبهاء عرض غانا المونديالي، المنتخب الغاني منح شعبه فورة اعتداد وطني عارمة. نجاحه النسبي سرى في مفاصل القارة السمراء بأسرها فنهضت تؤازره مجتمعة.

ما انجزه منتخب غانا على الصعيد القاري في غضون أيام مونديالية عجزت عنه منظمة الوحدة الافريقية واتحاد الدول الافريقية خلال عقود. ربما وحدها أورغواي تحملت هي الأخرى عبء الدفاع عن كبرياء الأميركيتين. العودة الخائبة لكل من البرازيل والأرجنتين من جنوب افريقيا ستعيد طرح اسئلة سياسية في البلدين لا محالة.

الرئيس الاورغواني خوسيه مورخيكا وهو أحد قيادات حرب العصابات قضى سنتين حبيس بئر يخرج حالياً إلى بؤرة الزهو القاري.

وحدها أوروغواي واجهت بمنتخبها مواجهة العالم القديم والجديد ومعادلة الأثرياء والفقراء والشمال والجنوب. بلد لا يزيد عدد سكانه عن ثلاثة ملايين نسمة يقدم انموذجاً جديراً بالاحترام. كأس العالم ينعش حتماً ثباتيرو واسبانيا الرازحة تحت ظل كساد مشبع ببطالة مذهلة.

كرة القدم لم تعد مجرد لعبة رياضية، انها صناعة تستنزف مليارات الدولارات وتفرز مثلها. جنوب افريقيا استثمرت ما يوازي أربعة مليارات لتعزيز بنيتها التحتية الرياضية من أجل المونديال. الفيفا امبراطورية له قاعدة مالية وافرة وسطوة دولية نافذة وجبروت لا يرد.

ألم يجبر الرئيس النيجيري على ابتلاع قرار الحظر الأخير؟ نيجيريا ليست استثناء. بعض انفضاض المونديال نسترد ـ نحن العرب ـ مؤقتاً ـ بعضا من انتماءاتنا المبعثرة في المناسبة وراء البحار. هي فترة استجمام مؤقتة. بعد قليل سنعود تحت فائض احباطاتنا إلى تصدير مشاعرنا إلى الميادين الأوروبية يتقاسمنا القطبان الأسبانيان أو الأربعة الكبار في ايطاليا وانجلترا أو المانيا.