هناك كرتان شغلتا العالم منذ أن اكتشفهما الإنسان: كرة القدم والكرة الأرضية. وبين الكرتين قواسم مشتركة كثيرة وعديدة، لكن ربما أهمها هو خلوهما اللهم إلا من الهواء.

ومنذ اكتشاف كروية الأرض وشعوب العالم في صراع مميت على امتلاكها طولا وعرضا. ولكنها تظل في نهاية الأمر كرة تتقاذفها الأقدام يمنة ويسرة.

وقد أراد الله أن تكتشف لعبة كرة القدم قبل اكتشاف كروية الأرض بآلاف السنين ليأخذ منها العبرة، فقد لعبها اليونانيون والرومانيون القدامى حوالي 380 سنة قبل الميلاد، ثم تطورت لتأخذ شكلها الحالي.

بيد أن الإنسان بطبيعته وغريزته في التملك لم يتعلم بأن كل ما هو دائري وغير ثابت لا يدوم لأحد. ومع ذلك فهو يصر في كل دورة أن يبذل قصارى جهده لتسجيل أكبر عدد من الأهداف الفارغة بكرة فارغة في شباك فارغة. صحيحٌ أن لها مردودا صحيا وأيضا عواقب صحية على بدن اللاعب، إلا أنها في النهاية تنتهي بالتعادل.

والغريب أن كلتا اللعبتين: لعبة كرة القدم ولعبة امتلاك الكرة الأرضية تجد من يصفق للاعبيهما ويطبل لهما. وكثيرا ما انتهت لعبة كرة القدم إلى اشتباكات دموية وعنيفة بالأيدي والأقدام وزجاجات الكوكاكولا والبيرة الفارغة بين المشجعين وليس اللاعبين أنفسهم، وكذلك الحال بالنسبة للعبة الكرة الأرضية.

فالذي يدفع ثمن الحروب وركلات الجزاء بين الدول ليس الحكام ولا قادة الجيش ـ الذين يعيشون في أماكن مأمونة ومحمية بحجة حماية القيادة ـ وإنما الشعوب المسكينة التي لا ناقة لها فيها ولا جمل. أما التكريم في حالة الفوز أو النصر، فليس للمشجعين ولا للشعوب، بل للاعبين من كلا الطرفين.

ولم ينس العالم بأنه لا بد من حكم في كل لعبة ويحمل معه صفارة صغيرة ينفخ فيها متى شاء. لذا جاء مجلس الأمن ليكون الحكم وليشكل أعضاء منظمة الأمم المتحدة تلك الصفارة الفارغة بدورها اللهم إلا من الصوت الناتج بدوره عن دوران الهواء في فراغ على شكل دائرة.

غير أن لاعبي كرة القدم استعاروا من الدول المتحاربة شعاراتها التي يطبعونها على رايات الحرب، فوضعوا لهم شعاراتهم المميزة لكل فريق. واختلفت الألوان باختلاف الأذواق وطبيعة البلد.

أما مسألة الفوز فهي تعتمد على مهارة اللاعبين ومن ثم اغتنام الفرص التي تحدثنا عنها في مقالة سابقة. فكيف قدر لفريق عريق له تاريخه الطويل في تسجيل الفوز بعد الفوز كفريق الأرجنتين أن يخسر أمام الفريق الألماني بأربعة أهداف مقابل لا شيء؟

وكيف كتب لفريق يشبه الجيش الجرار كالفريق الألماني أن يخسر أمام الفريق الأسباني؟ وكيف خرج الفريق الفرنسي الذي اختار شعار الديك في منافساته الكروية أن يترنح كالدجاجة ؟ قبل أذان الفجر ؟ أمام فرق لا تعد شيئا أمام إمكانياته ومشجعيه؟

حتى بكى الفرنسيون خروج فريقهم الوطني من جنوب أفريقيا بكاءً مرا كما بكى العرب خروجهم من أسبانيا. لقد علق أحد الفرنسيين قائلا: (فرنسا تشعر بالخزي هذا المساء! ؟ إن كل فرنسا تبكي هذا المساء وأن الدموع حمراء اللون بمرارة شديدة، حمراء بلون دم علم فرنسا الذي لم يعرف الفريق الفرنسي كيف يوفيه حقه من الاحترام!). (موقع على الانترنت لمن يرغب في المزيد: وُُِّّ://ٌٌٌّّّ.ٍَُليفٌ0102.َمُّ

والأمثلة كثيرة. وكما أن الكرة دائرية ولونها مقسوم بالتساوي بين الأسود والأبيض، فإن تاريخ الإنسان والشعوب والدول والأمم هي كذلك تدور وتنقلب بين الأبيض والأسود، فمن ظن أنه فاز اليوم وأعلن فرحه بلون فستان العروس في ليلة زفافها بين التطبيل والتهليل والمسير في الشوارع، فليخش ما يخبئه له الغد من حزن ومن مرارة بلون الدم. فهل يعتبر العالم من نتائج المباريات بين الفرق؟

هناك دول لا تخجل من تاريخها ولا تستفيد من تاريخ الآخرين، وهي تعلم خير العلم بأن ما تحرزه اليوم من فوز سوف تبكيه غدا. فأين مستعمرات بريطانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا، وألمانيا، وهولندا؟ كلها ذهبت أدراج الرياح.

والأجناس التي وضعت أقدامها على رؤوس السكان الأصليين في جنوب أفريقيا خرجوا منها منكسي الرؤوس والرايات، لأنهم اختاروا العنف والعنصرية والأنانية والظلم مبدأ لسياستهم ونظامهم. فزالوا بتلك الأسباب.

واليوم هناك دول تمارس نفس النظام ونفس العنصرية ونفس السياسة ونفس العنف، وستزول بنفس الأسباب أيضا. فما دامت الكرة كروية والأرض كروية والتاريخ كروي، فلن يبقى أمر على حال....

فمن سيأخذ العبرة من مونديال جنوب أفريقيا 2010؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com