بعد بضعة أيام من القرصنة الإسرائيلية الدموية ضد قافلة الحرية المتجهة إلى قطاع غزة المحاصر، وجه البوند ستاج (البرلمان) الألماني انتقادات صريحة إلي إسرائيل؛ محورها إدانة هذه الفعلة واستنكارها. وفي هذا السياق، أجمع ممثلو الائتلاف الحاكم والمعارضة على أن «استخدام القوة في التعامل مع سفن المساعدة الإنسانية كان خطأ كبيراً من جانب تل أبيب..».
تأتي إستثنائية هذا الموقف من كونه أول بادرة سلبية تصدر عن الأحزاب الألمانية بالإجماع بحق إسرائيل. وقد نكون بصدد واقعة فارقة تؤشر إلى بداية تصدع الإنشداد الألماني لمفهوم النظر إلى هذه الدولة كضحية بغض النظر عن التفصيلات.. وذلك بناء على عقدة الذنب تجاه اليهود، وهي المرجعية الأكثر استقراراً في العقل السياسي الألماني منذ ما بعد العهد النازي.
اللافت أكثر أن هذا التقريع الحزبي اقترن بتحرك عملي رديف من جانب مجموعة من اليهود الألمان؛ خلاصته إعداد حملة مساعدات ستشق طريقها بحراً إلى غزة في نهاية يوليو المقبل. المجموعة تحمل اسماً موحياً هو «يهود من أجل السلام»، وقد ذكرت متحدثة عنها في برلين بأن الرحلة المزمعة ستضم يهوداً وغير يهود، ولكن الأولوية ستمنح لليهود،مشاركة منهم في كسر حصار غزة.
هناك إذاً توجه للتخلي عن فكرة الطهرية الإسرائيلية من لدن أكثر الدول المحورية أوروبياً ودولياً تبنياً لمفهوم المحرقة اليهودية وتوابعها بحسب الزعم الصهيوني، وذلك على الصعيدين الرسمي بعامة والشعبي اليهودي بخاصة.
هذا تطور جدير بالملاحظة والمتابعة لجهة إرهاصه أيضاً بدور للجاليات اليهودية في إنزال إسرائيل من عليائها؛ من قداستها، وإدراجها في زمرة الدول غير المنزهة عن اقتراف الموبقات الأخلاقية والقانونية والسياسية التي تقتضي المحاسبة. فالبوندستاج الألماني طالب ب«التحقيق الدولي الشامل في الحادثة وبرفع الحصار عن غزة..».
إنطلاق ألسنة بعض يهود ألمانيا ضد الخروقات الإسرائيلية، ربما جرأ قطاعات يهودية عالمية أخرى على البوح بمواقف مماثلة إزاء دولة تزعم بملء الفاه تمثيلها لهم والتحدث باسمهم. ونحسب أن إستنطاق هذه القطاعات وتشجيعها وحثها على هذا البوح، هو أحد الأعباء الملقاة على المعنيين بمسار الصراع ومصيره على أرض فلسطين وجوارها.
وتتصاعد علة هذا التقدير في ضوء إلحاح حراس المشروع الصهيوني على تحصيل الاعتراف بكيانهم السياسي (إسرائيل) كدولة يهودية. إن تحولا كهذا سوف يؤثر جوهرياً على المسافة المفترضة بين يهود العالم- بغض النظر عن مواقعهم وتابعياتهم الوطنية- وبين إسرائيل. ففي الحد الأدنى، سيثور لغط حول مسؤولية كل اليهود عن سياسات «دولتهم» المسماة إسرائيل.. أو ستدخل الجاليات اليهودية في جدل واسع بشأن دورهم في صناعة هذه السياسات وتطبيقاتها.
وفي الحد الأقصى، ستصبح الجاليات اليهودية مسؤولة بشكل مباشر عما ترتكبه إسرائيل من سياسات وسلوكيات. ومن الوارد بقوة أن يذهب بعض أصحاب الرؤي والتكييفات السياسية أو الدينية «المتطرفة» إلى مساءلة هذه الجاليات أو ما يقع منها بين ظهرانيهم ومتناول أيديهم عن هذه السياسات.
في مناسبات قريبة تاريخياً، عرفت بعض العواصم كباريس ولندن وأنقرة وبيونس أيريس، شيئاً من ردود الأفعال العنفية ضد مصالح يهودية بسبب الدعاوى الإسرائيلية بتمثيل اليهود. جرى ذلك من قبل أن تجهر إسرائيل بيهوديتها الخالصة.. فكيف الحال بمثل هذه الردود والتداعيات في حال جرت المصادقة على هكذا هوية؟!
قافلة جماعة السلام اليهودية الألمانية المزمعة خطوة موفقة من حيث المبنى والمعنى، لا سيما إن كانت مشتقة بالفعل عن استشعار بمخاطر التصرفات الإسرائيلية على أحوال اليهود ومستقبلهم في عوالم الآخرين..
هؤلاء الذين يشكلون تقريباً ضعف عدد اليهود في إسرائيل. وإذا لم يكن هذا الاستشعار قائماً، فان أنصار القضية الفلسطينية والعاطفين على إستقامة اليهود دينياً وأخلاقياً وسياسياً ملزمون بالتنبيه إليه والتعريف به.
ندفع بهذا التصور وفي تقديرنا أن الجاليات اليهودية منظمة ومؤطرة ومتواصلة بعملية تشبيك كبيرة فيما بينها، بما يمكنها من اتخاذ مواقف مشتركة. ونتصور بالتداعي، أن جهر هذه الجاليات بانتقاد ما يسيء اليها من سياسات وسلوكيات إجرامية إسرائيلية، ربما فاق في تأثيره ما يتخذه المجتمع الدولي بأسره من مواقف رادعة لهذه السياسات.
كاتب واكاديمي فلسطيني