إنها حقاً لمصادفة غريبة، أن يتزامن موعد انعقاد مجلس النواب العراقي الجديد، لحسم الأزمة السياسية التي تعصف بالبلد منذ السابع من مارس المنصرم، مع الذكرى الثانية والخمسين لثورة الرابع عشر من يوليو/ تموز عام 1958.
الغريب في ذلك أن تلك الثورة قد قطعت جميع العلاقات المكبلة للعراق مع الغرب ممثلاً ببريطانيا، على الصعد السياسية والاقتصادية! يأتي الرابع عشر من يوليو بعد بضعة أيام، ليشهد على المدى الذي أصبح فيه العراق تابعاً للغرب ومرتهناً لإرادته؛ ممثلاً بالولايات المتحدة هذه المرة.
المسرح السياسي العراقي يشهد حركة غير عادية، مخرجون وممثلون في نشاط لا يكل، لإخراج مشهد الرابع عشر من يوليو على خشبته، ومتفرجون كثر على امتداد أرض العراق وفي معظم بقاع الدنيا التي ارتحل إليها العراقيون، معظمهم مجبرون لا مختارون، ينتظرون هذا المشهد بين متفائل ومتشائم، محبط ومستبشر.
يجري كل ذلك لأن الاستحقاق الدستوري لانتخاب هيئة رئاسة المجلس النيابي، قد آن موعده تمهيداً لانتخاب رئيس الجمهورية، الذي يقوم بدوره بتكليف رئيس الكتلة الفائزة بتشكيل الوزارة التي طال انتظار تشكيلها.
في هذه الأجواء الملبدة، لا يغيب على المتابع للشأن العراقي أن يرصد:
1. حراكاً سياسياً أميركياً متميزاً؛ زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن لبغداد، ولقاؤه مع أبرز اللاعبين في المسرح السياسي العراقي رسميين وغير رسميين، بالتزامن مع مجيء الوفد الرباعي المكون من أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة السناتور جون مكين، وقيام مجموعة من أعضاء الكونغرس الأميركي (أربعة وثلاثون عضواً) بتوجيه رسالة واضحة المعالم لرئيس الوزراء العراقي، تطالبه بضرورة أن تكون الحكومة المقبلة غير طائفية.
2. تفاقم الخلافات بين ائتلاف دولة القانون والائتلاف الوطني، حول من يشغل رئاسة الوزارة؛ فالغالبية العظمى من الائتلاف الوطني (خمس كتل) قد أبلغت ائتلاف دولة القانون بشكل رسمي، رفضها منح المالكي فرصة جديدة. وإذا تحرينا الدقة، فإن ما يطالب به الائتلاف الوطني ليس استبعاد المالكي فحسب، وإنما استبعاد حزب الدعوة نفسه، إذ سبق لهذا الائتلاف أن رفض فوراً مرشحاً آخر بديلاً من حزب الدعوة طرحه ائتلاف دولة القانون.
كما قرر هذا الائتلاف رفض المشاركة في أية حكومة يرأسها المالكي، مفضلاً الانتقال إلى موقع المعارضة إذا حصل ذلك. ولعل انفضاض التحالف بين هذين الائتلافين يسهم في تحسين الأجواء السياسية، فهو مؤشر على تراجع الدور الذي لعبه الانتماء الطائفي في رسم معالم الخرائط السياسية.
3. عزم واشنطن وحلفائها الغربيين على تضييق الطوق على إيران سياسياً واقتصادياً، بعد أن رُفع سقف العقوبات عليها في مجلس الأمن الدولي، وبعد أن أصدرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي واليابان وأستراليا عقوبات إضافية في حقها.
المشهد السياسي العراقي معقد جداً، ولا يزال غير واضح المعالم تماماً، وليس من السهل التنبؤ بما سيسفر عنه في الأيام القليلة المتبقية، فقد تكون هناك مفاجآت ليست في الحسبان. فالكتل الفائزة في الانتخابات، من غير استثناء، تمسك العصا من الوسط، لأن الصورة لا تزال ضبابية.
التفاؤل بتجاوز الأزمة من خلال التقارب بين المالكي وعلاوي، سابق لأوانه. فقد سبق لائتلاف دولة القانون أن فشل في الوصول إلى الحد الأدنى من التوافق مع أقرب الحلفاء إليه، الائتلاف الوطني، فكيف سيكون الوضع مع ائتلاف العراقية الذي كان يُنظر إليه حتى أيام قليلة مضت، على أنه الخصم الذي ينبغي استهدافه، وهو ما حصل فعلاً خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، وذلك عن طريق اجتثاث قياديين فيه من قبل هيئة المساءلة والعدالة.
ائتلاف دولة القانون أضعف كثيراً من ذي قبل، فعلاقاته مع الكتل السياسية الأخرى ليست على ما يرام، وهذا الضعف قد أكسب ائتلاف العراقية قوة إضافية تضاعف من القوة التي اكتسبها بفوزه في الانتخابات النيابية، وهذا الائتلاف على العكس من ائتلاف دول القانون، لديه علاقات جيدة مع جميع الكتل السياسية الأخرى، ويتمتع بدعم إقليمي كبير، ما يوفر له مساحات أوسع للمناورة وتنوعاً أكثر في اللوجستيات يعزز من قدراته التفاوضية.
ألقت الولايات المتحدة بثقلها في الأيام الأخيرة الحاسمة، لتخرج العراق من الأزمة السياسية الراهنة، بعد أن عجزت النخب السياسية التي جاءت بفعل الانتخابات عن معالجتها لأسباب عدة؛ منها فشل أي من الفائزين في الحصول على نصر حاسم، ومنها أن بعض هذه النخب لا يزال غير قادر على الخروج من الأطر الضيقة، التي ترسمها المصالح الشخصية والانتماءات الحزبية أو المذهبية أو العرقية أو الفئوية أو المناطقية.
رسالة الولايات المتحدة لجميع الفرقاء، هي ضروة الإسراع بتشكيل «حكومة وطنية يصنعها الشعب العراقي، وليس إرادة الدول الإقليمية». وقد مارست الولايات المتحدة من خلال وجودها المكثف في أروقة صناعة القرار في العراق، ضغوطاً كبيرة على ائتلاف دولة القانون وائتلاف العراقية للتحالف، لإشغال المراكز القيادية في الحكومة المقبلة واستبعاد الائتلاف الوطني الذي يعتبر الأكثر قرباً من طهران، عن المواقع القريبة من صناعة القرارات السياسية الحاسمة.
فمن المعروف أن أبرز كتلتين في الائتلاف الوطني هما التيار الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي، الأول حركة سياسية ظهرت بعد سقوط النظام السابق، من الجماعات التي كانت قريبة من الصدر الثاني السيد محمد صادق الصدر، ولدى هذا التيار نفوذ لا يستهان به في الشارع العراقي، خاصة في المناطق الفقيرة من العاصمة وفي مدن الجنوب، إلا أنه نسج مع إيران علاقات قوية تقلق الولايات المتحدة.
أما الثاني فقد تأسس في إيران أوائل ثمانينات القرن المنصرم، وكانت له منظمة عسكرية (فيلق بدر)، وقد كان هذا المجلس، ولا يزال، أكثر قرباً إلى نبض المؤسسة الدينية الحاكمة في طهران من حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي، حين كانت الأحزاب الدينية الشيعية تتخذ من طهران قاعدة لنشاطاتها ضد النظام العراقي السابق.
والآن تنشط لجان التفاوض بين ائتلاف دولة القانون وائتلاف العراقية، في لقاءات مستمرة على مدار الساعة، فهل ستنجح في فك عقدة رئاسة الوزارة؟ علينا أن ننتظر لنرى مشهد الرابع عشر من تموز/ يوليو، المحطة المميزة في تاريخ العراق الحديث.
كاتب عراقي
