لا يجوز لنا أن نصف الشعوب بالسلبية والاستسلام، لأنها لا تنهض وتواجه وتطالب بحقوقها، فتحرك الجماهير العشوائي والانفعالي يحدث فوضى تشكل خطرا أكبر على البلاد. لا بد من معارضة منظمة تقود الجماهير للتغيير، وهناك ثلاثة عناصر شكلية أساسية يجب توافرها في المعارضة التي تتطلع لعملية التغيير في المجتمع، أولا؛ وجود تنظيم (حزب أو نقابة أو منظمة مدنية)، ثانيا؛ وجود قواعد شعبية لهذه المنظمة منتشرة في المجتمع.

وثالثا؛ وجود قيادة واعية ومقنعة على رأس هذه المنظمة تتفق عليها القواعد الشعبية وتلتف حولها.

إذا توافرت هذه العناصر الثلاثة تكتمل العملية الشكلية الأساسية للمعارضة، ولا يبقى سوى العملية الموضوعية، وهي برنامج العمل ومشاريع التغيير التي تطرحها هذه المنظمات والقضايا التي تتبناها، والتي تعبر عن مطالب جماهيرها، مع الالتزام بالنظام العام والقوانين السائدة في المجتمع.

ترى هل المعارضة السياسية على الساحة العربية تنطبق عليها هذه المواصفات؟

من الناحية الشكلية، فإن حال الأحزاب العربية عموما لا يخفى على أحد، فلا يوجد على الساحة العربية من المحيط إلى الخليج أي حزب معارض له تأثير حيوي وفعال في بلده، بالمقارنة بالقرن الماضي، عندما كانت الأحزاب والتنظيمات المعارضة نشاطها يملأ الأفاق.

ولنأخذ دولة مثل مصر كان للمعارضة فيها في السبعينات شأن كبير، سواء الأحزاب الثلاثة التي كانت موجودة أو النقابات أو المنظمات المدنية، والآن يوجد فيها العشرات من الأحزاب والمنظمات والنقابات التي ينسبها البعض خطأ للمعارضة، والتي تبدو في مجملها عبارة عن مكاتب شبه مهجورة، تتردد عليها حفنة من الأفراد لا يزيد عددهم عن أصابع اليدين إلا بقليل، وإذا زاد عددهم قليلا يتصارعون ويتضاربون على مقاعد المكتب وعلى المناصب القيادية.

ومن المضحك المبكي أن مكاتب أحزاب المعارضة تدفع إيجارها الشهري الحكومة التي يعارضونها، وليس لهذه الأحزاب أية أنشطة تذكر سوى جريدة يصدرونها يهاجمون فيها النظام، ويسميها البعض «أحزاب الجريدة»، وحتى هذه الجريدة تطبع في مطابع الحكومة.

أما قادة هذه الأحزاب فهم أشبه بكهنة المحافل الماسونية، لهم القدسية داخل هذه المكاتب المهجورة بحكم أعمارهم الطاعنة في الكهولة، ولا يعرفهم أحد خارج هذه المكاتب. وأما عن القواعد الشعبية التي تستند إليها هذه الأحزاب فحدث ولا حرج. ودون مبالغة، يمكن القول إن الأعضاء الفعليين لكافة الأحزاب المعارضة الموجودة في مصر، لو جمعناهم معا لا يستوفون النصاب القانوني للجمعية العمومية لأصغر حزب فيهم.

ما نقوله ليس مبالغة، بل معروف للجميع، وما نريد أن نضيفه هنا أن المعارضة السياسية في وطننا العربي تحولت خلال العقد الماضي، مع انتشار الفضائيات، إلى مهنة ووظيفة للارتزاق والشهرة والنجومية، وليس لهذه المعارضة أية روابط بالشعب الذي ربما يشاهدها على الفضائيات، وربما يعجب بها، لكنه لا يلتف حولها، لأنها ببساطة بعيدة جدا عنه ولا يعرف أين هي ولا يراها إلا من خلال شاشات الفضائيات، وحتى لو تنازلت ونزلت للجماهير فإن هذا يكون للركوب على حدث معين لا يد لهذه المعارضة في صنعه، ويكون الهدف من النزول هو كسب مزيد من الشهرة والظهور على شاشات الفضائيات.

مثل هذه المعارضة لا يمكن أن نتصور أنها تسعى للتغيير، حتى ولو ملأت إرسال الفضائيات بصيحاتها عن التغيير. إنهم على العكس يخشون التغيير الذي يشكل خطورة كبيرة عليهم، لأن كل ما يحققونه من امتيازات وعوائد وشهرة، مرتبط بالنظام القائم ولا ضمانة لديهم للبقاء في ظل أي نظام بديل له، وليست لهم أية قواعد شعبية تتمسك بهم، إلى جانب أنهم هم أنفسهم لا يطرحون البديل لما هو قائم.. فقط يطالبون بالتغيير قولا، ولا يسعون له فعلا.

elmoghazy@hotmail.com