الشطارة والبراعة لدى حركة حماس وفيرتان، في تظهيرها التنازع مع «فتح»، المسلح أولاً وغير المسلح تالياً والسخيف دائماً، على أنه يعود إلى الاختلاف بين خياري المقاومة والتسوية. ونجحت الحركة في أن تشيعَ ذلك لدى الرأي العام، بسبب الصورة السلبية للسلطة، في مقابل صورة محمودة لها ولمجاهديها.
وجديدُ نجاحات حماس، المستمرّة والحقُّ يُقال، أنها وطّنت قناعات عامة بوجاهة رفضها التوقيع على الورقة المصرية للمصالحة، بدعوى أنها تريدُ مصالحةً تقوم على «ثوابت المقاومة»، فيما الورقة المذكورة تشترط الاعتراف بإسرائيل.
أول القول هنا إن حال الانقسام والتقسيم بين السلطة وحماس عارٌ على جبين كل الشعب الفلسطيني (بتعبير جبريل الرجوب)، ومخزٍ يُعيبُ الطرفين، ويأخذ القضية الفلسطينية إلى مزيدٍ من الاحتضار الذي تُغالبه منذ سنوات. وضاعفَ من مخازيه أنّ أملاً انطفأ.
بعد أن لاحَ أنّ نجاحاً كان ممكناً لجهود لجنة وساطة برئاسة منيب المصري، فقد حلت اللجنة نفسها بعد استعصاء الحلول قُدامها. وأيضاً، بعد عجز رئاسة السلطة وحماس عن اجتراح ممرّ نجاح خلاق.
ليس صحيحاً أن الاشتباكات المسلحة بين فتح وحماس (قضى فيها نحو 1800 فلسطيني)، قبيل الحسم العسكري إياه في غزة، نشبت بسبب تمسّك الأخيرة بمقاومة لإسرائيل عارضتها فتح.
إنها حدثت بسبب منازعات على حصص النفوذ في أجهزة الأمن ليس إلا، وهي حصص لم يحسمها اتفاق مكة الذي أعقبته مشاركة رئيس الحكومة في حينه، إسماعيل هنية، في القمة العربية في الرياض، تحت مظلة الرئيس محمود عباس الذي حلف هنيّة اليمين أمامه.
وكانت حماس تعرفُ تطرّفه في تسويّته المتواصلة منذ عقود، لمّا دخلت في العملية السياسية، وشاركت في الانتخابات التي فازت فيها بجدارة. ويُؤتى هنا على ذلك الأرشيف، للتأكيد على أن اختلاف الخيارات السياسية، ليس هو ما ساق إلى الاقتسام الرديء للحكم في رام الله وغزة.
ويكون طيّبا من حماس لو يعلن قادتها، بالضبط، مؤاخذاتهم على الورقة المصرية للمصالحة، إذ لا مطرح للكلام المرتجل في شأنها عن الثوابت والمقاومة، لأنها تنصُّ على بديهيّة حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، ولا تُلزم حماس بالاعترافٍ بإسرائيل، وبالاستجابة لشروط الرباعية الدولية.
ببساطة، لأن الأمرين ليسا من شواغلها. ويحسنُ أن تتوقف الحركة الإسلامية عن التذاكي، بعدم تنوير الرأي العام العربي بالتعديلات التي تلحّ على إجرائها على الورقة المصرية، التي تتعلق بالانتخابات وتفعيل منظمة التحرير وآليات القرار في السلطة، فما تلحّ عليه حماس هو تعديل أنصبتها في هذه القضايا، وليس إلغاءَ ما يمنعها من تحرير فلسطين.
ليس كفراً أن تُطالبَ حماس، صاحبة الموقع الكفاحي الفلسطيني المشهود، بالتوقيع على الورقة المصرية، ثم تُؤخذ ملاحظاتُها عند التنفيذ، لأنّ الأجدى هو الذهاب بشجاعة وطنية نحو ما يحدّ من الإحباط الفلسطيني الواسع جرّاء الانقسام.
يُقال هذا، وفي البال أنّ نضجاً سياسياً من أجل المصلحة الفلسطينية العليا، يتبدّى في ضبط الحركة إطلاق الصواريخ على مستوطنة سديروت وجوارها، معطوفا على وقف سابق للعمليات الاستشهادية ضد المدنيين، لا سيما وأن المسلكين يتوازيان مع قبول خالد مشعل بدولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967.
وقد تعني هذه المستجدّات أنّ حماس باتت ترى أن أفق المقاومة بذينك الشكلين مسدود، كما أفق مفاوضات رئاسة السلطة مع إسرائيل.
وهذا كله، وغيره، يوجب انتشالَ الوضع الفلسطيني من رداءات وفيرة فيه، ودفعه إلى مصالحة لا بدّ منها، تعبر به إلى انتخابات نيابية ورئاسية، يستعجلها 84% من الفلسطينيين، بحسب أحدث استطلاع كشف أن نصف المستطلعة آراؤهم فيه، لا يكترثون بمفاوضات فتح وثوابت حماس، طالما أن الحركتين على التعاسة التي نرى في غزة ورام الله.