على ما يبدو فإن واشنطن لم تكتف بالعقوبات المشددة الجديدة على إيران، والتي تضمنها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929، ولا أيضا بالعقوبات أحادية الجانب الصادرة عن المجلس الأوروبي، بل تسعى واشنطن لمحاصرة إيران من جهات عديدة، لإخضاعها لتنفيذ ما يريده منها المجتمع الدولي الذي توجهه واشنطن.

وخطط واشنطن في هذا الاتجاه، تسير بشكل علني أحيانا ومستتر أحيانا كثيرة، ومن ضمن هذه الخطط التي انكشف أمرها مؤخرا، ممارسة واشنطن للضغوط المكثفة على بعض الدول النفطية، لكي تزيد كميات النفط الخام المصدرة منها إلى الصين.

وذلك كخطوة لإقناع الصين بالتخلي عن النفط الإيراني الذي تستورد منه الصين سنويا نحو عشرين مليون طن، ويبدو أن واشنطن وجدت استجابة لمخططها هذا، من بعض الدول النفطية التي عانت كثيرا من انخفاض أسعار النفط في الفترة الماضية بسبب الأزمة المالية.

وحسب مخططات الاستراتيجيين الأميركيين، فإن زيادة صادرات النفط من بلدان أخرى إلى الصين، ستوجه ضربة شديدة إلى طهران التي تحصل على القسم الأكبر من موارد ميزانيتها من إرساليات النفط إلى الشرق، وخاصة إلى الصين التي تزداد جاجتها دائما للمزيد من الطاقة، بسبب عجلة الإنتاج المتسارعة عندها.

وفي نفس الوقت فإن واشنطن تسعى لمحاصرة مستقبل النفط الإيراني، الذي يعتمد كثيرا على العقود طويلة الأجل مع الصين، حيث إن من المعروف أن السوق الصينية تتمتع ـ حسب تقديرات الخبراء ـ بقدرات كبيرة للنمو، ولن تجازف الصين بتحديد خيارها الأكبر في مصدر واحد مهدد بعقوبات دولية مثل إيران، بل ستذهب لتبحث عن مصادر أخرى.

وستجد هذه المصادر بالقطع في دول الخليج العربي، وفي روسيا، وفي إفريقيا التي يتحرك فيها المستثمرون الصينيون بكثافة ملحوظة، هذا إلى جانب أن إيران تضع آمالا كبيرة على الاستثمارات الصينية في قطاعات الطاقة الإيرانية.

وقد جرت مباحثات واتفاقات متعددة بين البلدين في هذا المجال، ولكن هذه الاتفاقات أصبحت مهددة بالتوقف، بسبب العقوبات الجديدة الموقعة على إيران، والتي وافقت عليها الصين وروسيا في مجلس الأمن.

وعلى ما يبدو فإن خطة الولايات المتحدة قد جاءت في الوقت المناسب، لأن البلدان المصدرة للنفط مستعدة منذ وقت بعيد لاستغلال الوضع المناسب للأسعار في سوق المواد الخام، حيث إن أسعار بيع «الذهب الأسود» قد بلغت حدها الأقصى في هذا العام، واستقرت نسبيا فوق السبعين دولارا للبرميل.

وقد أعلن بعض الدول العربية المنتجة للنفط مؤخراً، عن استعدادها لزيادة صادراتها من النفط إلى الصين. وتعتبر المملكة العربية السعودية أكبر مستورد للأسلحة والسلع الاستهلاكية الصينية، ويعتقد بعض المحللين أن الرياض يمكن أن تستفيد من علاقاتها التجارية، لإقناع الصين بتقليص استيراداتها من النفط الإيراني.

وإذا ما تسنى لها ذلك فإن إيران ستواجه ما أسماه الخبراء الماليون «خطر معاناة وضع اقتصادي صعب»، إذ تتضمن تشكيلة الصادرات الإيرانية إلى الصين حصة كبيرة من إرساليات النفط، ولهذا فإذا ما تخلت الصين عن مشترياتها أو قلصتها كثيرا، فستضطر طهران إلى بيع النفط بأسعار منخفضة، بغية رفد الميزانية بالموارد بشكل ما، وإلا فإنها لن تجد مكانا لتسويق سلعتها.

بعض خبراء الطاقة يعتقدون أن هذا المخطط الأميركي لن يحظى بنجاح كبير، حيث إن أكبر مصدري النفط من دول الخليج العربي يصدرون للصين بالفعل كميات كبيرة من النفط، ومهما زادوا من هذه الكميات فإنهم لن يعوضوها عن النفط الإيراني، هذا إذا وافقت هذه الدول على المشاركة في هذا المخطط الأميركي، وهو أمر مشكوك فيه تماما.

حيث إن دول الخليج العربي رغم خلافاتها ومشاكلها مع إيران، إلا أنهم في الواقع لا يؤيدون مخططات واشنطن ضدها، وذلك لأنهم يخشون من تصاعد الحملة العدائية الأميركية ضد إيران، ووصولها إلى حالة الحرب التي سيكونون هم أكبر المتضررين من ورائها.

من جهة أخرى، فإن موافقة الصين على هذا المخطط الأميركي أمر مشكوك فيه أيضا وبشكل كبير، حيث إن مستوى الثقة والتفاهم بين واشنطن وبكين لم يصل إلى هذا المستوى، وليس من المتوقع أن يصل إليه في المستقبل القريب.

خبيرة روسية في شؤون الطاقة

jannamarat@km.ru