البحث عن النفس في خضم هذا العالم المتلاطم، ليس أمرًا سهلا على الإطلاق، لكنه ممكن غير مستحيل. من الممكن أن يجد بعضنا نفسه في خلوته بها، ولكن هل يجد الواحد منا الآن وقتًا للخلوة مع النفس؟

هل يجد فائضًا من الوقت يستطيع صرفه على مثل هذا الترف، الذي لم يعد يناله إلا قلة من الناس استطاعت أن تصنع لنفسها أولوية عند نفسها، حتى لا تفقدها إلى الأبد، وأوجدت مساحة زمانية ومكانية لتختلي بنفسها فيها، بغضّ النظر عن أي ظرف آخر داخلي أو خارجي؟

لا أستطيع أن أجزم بشيء في هذا الأمر، لكنني شخصيًا أجد صعوبة في العثور على نفسي في خلوة، ليس فقط لأنني لا أملك الوقت الكافي للقيام بذلك، بل لأنني أيضًا نسيت منذ زمن بعيد كيف أختلي بنفسي دون أن أنساها في مكان ما وأعود من غيرها.

لذلك أفضل ألا أقدم على تلك الخطوة أساسا، لكن هذا لا يعني أنه لا توجد طرائق أخرى يمكن لي أو لغيري أن يسعى للبحث عن نفسه من خلالها، بوعي أو دون وعي.

بعضنا قد يجد نفسه في كتاب، ديني أو غيره، شعري أو نثري، وقد يجدها آخرون في مقطوعة موسيقية، أو في فيلم سينمائي.. لا لا.. بل ربما في لقطة من فيلم سينمائي، أو في مشهد من عرض مسرحي، أو في فصل من رواية، أو في أشياء أخرى قد لا تخطر على ذهن شخص آخر..

أشياء يكتشفها الإنسان نفسه بالتجربة، وحين يشعر أنه يجد فيها نفسه لا يتردد في أن يعاود اكتشاف نفسه من خلالها مرات ومرات، لأن ذلك يعطيه إحساسًا بأنه يزداد قربًا من نفسه.. العالم الأكبر على حد تعبير الشاعر.. وجميعنا يسعى نحو ذلك الإحساس.

في كثير من الأحيان يضطر أحدنا إلى إعادة لقطة من فيلم مرة بعد أخرى، لأنه يشعر أنها تمسه.. فيها شيء يشبهه، يلامس منطقة في دواخله التي لا يستطيع أن يصل إليها مباشرة، لكنه استطاع الوصول إليها عبر قناة وسيطة، هي تلك اللقطة.

الأمر نفسه ينطبق على المقطوعات الموسيقية التي تحدث في النفس لذة خفية، تتجدد حين يعاود تشغيلها مرة أخرى مباشرة بمجرد أن تنتهي. إنها نوع من استكشاف الذات، الذي لا يتحقق إلا بوجود هذه القناة الوسيطة التي تصلنا بأنفسنا، وتزرع في داخلنا قناعة راسخة بأننا نستطيع معرفة أنفسنا، حتى ان كنا لا نستطيع التعبير عن تلك المعرفة بكلمات وعبارات.

أما الكتب فهي مجموعة عوالم متداخلة الحدود، عابرة للقارات النفسية والمحيطات الوجدانية، يشعر الواحد منا حين يقف في محرابها، بأنه يستكشف تضاريس نفسه الداخلية، ويتلمس أبجديتها التي لم يتعرف إليها من قبل، ولم يقرأ بها سطرًا في كتابه الذاتي.

الكتاب عالم يحتضن عالم النفس، ويعبر عنها خير تعبير، وكأنها توفر علينا الوقت والجهد كي نصل إلى أنفسنا عبر أقصر الطرق، لكنها قليلة تلك الكتب التي تمنحنا هذا الإحساس، ويشعر الواحد منا حين يمسكها ويقرؤها أنه يقرأ نفسه.

فليس كل كاتب يستطيع أن يصل بنا إلى هذا المستوى من الأحاسيس، كما أنه إحساس متفاوت بشدة من شخص لآخر، ففي حين يشعر قارئ أن كتابًا ما يمسه بشكل شبه مباشر، وأن الكاتب يقدمه (أي القارئ) من خلال حروفه (أي الكاتب).

قد لا يشعر قارئ آخر بالإحساس نفسه مع هذا الكتاب، لكنه يجده مع كتاب آخر وكاتب آخر؛ فالكتاب متغير والقراء أيضًا متغيرون، لكن الإحساس هو الباقي.

وكم هو جميل الإحساس الذي تولده فينا صفحات كتاب وسطوره حين نجد أنفسنا فيها، دون أن نفتش عنها أو أن نكلفها جهدًا كي تتعرف إلى ملامحها الداخلية، إلا بمقدار تقليب الصفحات.

لست أكثر تعصبًا للكتاب على حساب القنوات الأخرى التي قد تصل بيني وبين نفسي، لكنني ربما أكثر اتكاء على تأثير الحرف والكلمة في النفس، وربما..

أكثر ثقة في قدرة بعض الكتّاب على استخدام الكلمة على النحو الذي يجمع عددًا من النفوس والنفسيات، ويمثلها من خلال عبارات معدودة محدودة، تماما كما هي الأبجدية بحروفها المحدودة، قادرة على تجسيد المتشابهات والمتضادات والمتنافرات بالحروف نفسها، وأحيانًا.. بالكلمات نفسها..

وهي ميزة ربما لا تتوافر في القنوات الأخرى. لذلك ينال الكتاب حظوة لدى من يعرف قيمته، على حساب الأشياء الأخرى.

هذه ليست دعوة للقراءة على الإطلاق، إنها فقط دعوة لكي يبحث كل واحد منا عن نفسه، بالقناة التي تناسبه أكثر.. التي يشعر أنها تختصر المسافات، بينه وبين عالمه النفسي اللا متناهي.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com