أكثر من عشرين مليون أميركي عاطل عن العمل، نصفهم عاطل عن العمل منذ أكثر من ستة أشهر. عوائل تفقد منازلها. ومجلس شيوخ الولايات المتحدة، الذي يواجه تكتيكات تعويقية جمهورية، رفض تمرير قانون تمديد تأمين البطالة لأولئك الذين فقدوا وظائفهم دون ذنب.

الأثرياء يحظون بحراسة على مدار الساعة، من شركات أمنية خاصة وراء أسوارهم الشاهقة، ويرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة، ويمارسون الرياضة في نواد ريفية خاصة، ولا تطالهم يد الدمار.

لكن بالنسبة لمعظم الأميركيين، فإن العقد الاجتماعي (جملة التوافقات الأساسية المفترضة التي نبني عليها حياتنا) قد بدأ يتمزق. فولاية هاواي، مثلاً، اعتمدت نظاما دراسياً خاصاً بها يذهب فيه التلاميذ للدوام أربعة أيام في الأسبوع. وهناك عدة ولايات أخرى تقوم بإلغاء رياض الأطفال التي تفتح طوال النهار، وإغلاق البرامج المدرسية الصيفية.

الحدائق العامة تفتقر للصيانة، وبرك السباحة العامة يتم إغلاقها بأعداد متزايدة. الوظائف الصيفية للفتيان اليافعين تختفي. المنازل والشقق المهجورة تتفشى مثل آفة خبيثة، في الأحياء السكنية، وتتحول إلى بؤر للمخدرات والجريمة في شوارع تحرسها الآن أعداد أقل من أفراد الشرطة.

لقد انقلبت قيمنا رأساً على عقب. فالكونغرس سوف يوافق على إقرار 32 مليار دولار في صندوق طوارئ، لتمويل التصعيد العسكري في أفغانستان، لكنه يمتنع عن إقرار ال23 ملياراً اللازمة للحيلولة دون تسريح 300 ألف مدرس وموظف في قطاع التعليم.

القوات المسلحة تعتبر أن هدفها هو بناء دولة في أفغانستان عن طريق تعزيز الوضع الأمني، ثم بناء المنازل والمدارس وتوليد فرص العمل. لكن هنا على أرض الوطن، نجد نحن أنفسنا يوماً بعد يوم أقل أماناً، إذ علينا أن نهجر منازلنا ونغلق مدارسنا، ونتخلى عن العاطلين عن العمل في بلدنا.

لا بد لنا من تغيير مسارنا. وفي كتابه القوي المؤثر «إلى أين نحن ماضون: الفوضى أم التماسك الاجتماعي؟»، تحدث الكاتب مارتن لوثر كينغ الابن عن مأساة مجتمع يعيش فيه 40 مليون فقير، ودعا إلى إيجاد برنامج لتشغيل اليد العاملة بالكامل، بدخل سنوي مضمون. وكتب: «يجب علينا أن نوجد عمالة كاملة أو علينا أن نوجد مداخيل. ومن أجل الصالح العام، يجب ابتكار أشكال جديدة للعمل، لأولئك الذين لا تتوفر لهم الوظائف التقليدية».

وجادل كينغ بأن العمل يعزز إحساس الفرد بكرامته واعتداده بنفسه، مشيرا إلى تقدير عالم اقتصاد، يدعى جون كنيث غالبرايث، أن من الممكن تحقيق دخل سنوي مضمون للجميع، بتكلفة لا تتجاوز عشرين مليار دولار في السنة.

ودفع إلى أنه «إذا كان بمقدور أمتنا أن تنفق 35 مليار دولار في السنة لخوض حرب جائرة في فيتنام، و20 مليار دولار لإرسال الإنسان إلى القمر، فإنها تستطيع بالتأكيد أن تنفق بعض المليارات لتجعل فقراءنا يقفون على أقدامهم، هنا على الأرض».

واليوم، أنفقت أميركا أكثر من تريليون دولار على حرب غير شرعية في العراق، ويقال لنا إن البلاد لا تستطيع تحمل أعباء تمديد قانون الإعانات التي يستفيد منها العاطلون عن العمل! يبدو الإفلاس هنا أخلاقيا، وليس مالياً.

علينا إصلاح هذا الوضع مهما كلف الأمر، ويجب أن نبدأ بتوفير العمالة الكاملة، باللجوء إلى الحكومة كخيار أخير لتشغيل العاطلين عن العمل، ويمكن لبنك الاحتياطي الفدرالي شراء صكوك تمول إعادة بناء أميركا.

وبالتأكيد فإن الاستثمار الآن، حيث تقارب أسعار الفائدة الصفر، في القطارات السريعة وخطوط النقل الجماعي، وفي شبكات الكهرباء الذكية وفي مصادر الطاقة المتجددة، سيجعل اقتصادنا أكثر قدرة على المنافسة ومجتمعاتنا أكثر ملاءمة للحياة، وسوف يقلل أيضاً اعتمادنا على النفط الأجنبي.

وحالما يتم تشغيل العاطلين عن العمل، سوف تستقر أسعار العقارات السكنية تلقائياً، وسوف تنخفض معدلات الطلاق وإساءة معاملة الأطفال. وحينما يتحقق ذلك، سيصبح الأولاد الآمنون في بيوتهم وأسرهم، أكثر حرصا على الدراسة وأقل ميلاً للانقطاع عن المدرسة.

ويحذر البعض من أن مثل هذا الحل سوف يسبب تضخماً. ربما يحدث هذا بالفعل، وإن كانت مشكلتنا الآن هي في انخفاض الأسعار وفي الركود الاقتصادي. وإذا حدث تضخم، سيتحرك البنك المركزي مع الحكومة الفدرالية لمنع خروجه عن السيطرة. فلنشغّل الناس أولاً، ونجعل العمالة الكاملة هدفنا الأول، ثم ندير دفة الاقتصاد لتحقيق ذلك الهدف.

ولقد كان الدكتور كينغ يعلم أن هذا ليس تغييراً بسيطاً، ولذلك قال: «لا بد من تغيير هيكليتكم بأكملها. لا بد أن تولدي من جديد يا أميركا»..

والآن، على أنقاض الاقتصاد القديم، حان الوقت لأن نبدأ من جديد.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae