الانفصال صار الغالب في المشهد السوداني. كلام الوحدة أمسى ضرباً من العجز والخيال. الدولة المركزية بحزبها الحاكم باتت أكثر قناعة بحتمية الانشطار. الكونفيدرالية ليست سوى محاولة يائسة للهروب إلى الأمام. المؤتمر الوطني يحاول عبر طرحها احتواء تداعيات الانفصال على الشمال.

الكونفيدرالية إطار سياسي لدولتين لا دولة واحدة! من يقرأ في كتاب الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه «السودان على مشارف الاستقلال الثاني» يستوعب برؤية موضوعية تصاعد صوت الانفصال في الجنوب.

سلة المشاريع المطروح تنفيذها في غضون الشهور الستة المقبلة تنطوي على تقصير فاضح إزاء جعل الوحدة جاذبة. ما لم يتم انجازه في سنوات لا يمكن بلوغه خلال شهور. صحيح أن قضية الوحدة والانفصال معركة صراع وطني. لكن الصحيح كذلك ان مثل هذه المعارك لا يتم حسمها في ربع الساعة الأخير.

كما ان مشاريع الإنماء ليست أكثر من جبهة واحدة في المعركة الوطنية. ثمة محاور ساخنة أخرى لا تقل أهمية. من ذلك الاعتراف المقنن بتعدد الثقافات والديانات والمساواة بين الإثنيات بما يثبت ركائز دولة المواطنة. الحديث هنا لا يقتصر فقط على وثائق الدولة بل حقيقة الممارسة على نحو يؤمن تداول السلطة وعدالة توزيعها كما الثروة في نظام ديمقراطي مدني.

قيمة كتاب الدكتور طه لا تكمن فقط في استكمال جهد الأستاذ الجامعي والمستشار القانوني في إضاءة عتمات الحركة السودانية المعاصرة عشية انبثاقها. كما في مؤلفه السابق المعنون «الحركة السياسية السودانية ـ الصراع المصري البريطاني» يعتمد الكاتب على وثائق نادرة تستنزف جهدا ووقتا ومالا لمن يدرك معنى البحث الاستقصائي.

بالكتاب الجديد الذي بدأ ينزل إلى الأسواق حديثا يعزز المؤلف وهو حقوقي أسطون مكانته مؤرخا سياسيا مرموقا مسرفا في الموضوعية.

الكتاب يرصد إيقاع سنتين حافلتين بحراك سياسي دؤوب في الخرطوم والقاهرة ولندن. ذلك حراك يتقاطع مع أحداث دولية حادة افرزت انعكاساتها على خارطة المنطقة برمتها. من ذلك صفقة السلاح التشيكية المصرية.

التوغل في الكتاب يعزز لدى القارئ قناعة بتنامي الشعور الشعبي السوداني بتغليب ممارسة السيادة الوطنية والاستمتاع بالاستقلال في دولة المواطنة على كل الشعارات.

ذلك شعور متصاعد على نحو أجبر دعاة الاتحاد مع مصر على التخلي عن قناعاتهم الاستراتيجية أو التكتيكية ومواكبة تيار الاستقلال. باستثناء شريحة محدودة العدد أدركت النخب السياسية في غمرة ذلك المد الوطني أن الاتحاد مع مصر لم يعد ـ بل ربما لم يكن ـ مطلبا شعبيا.

الكتاب يرصد بالوثائق انحياز زعيم طائفة الختمية علي الميرغني ـ الأقرب إلى مصر وإسماعيل الأزهري الشخصية الأكثر كاريزماتية بين الاتحاديين إلى تيار الاستقلال. ذلك انحياز يعكس قدرة بعض القيادات على الاصغاء لصوت الجماهير والتاريخ. من هنا تأتي أهمية القراءة في «السودان على مشارف الاستقلال الثاني» في المنعطف السوداني الحالي.

ربما لا يرى البعض تطابقاً بين حالة الاتحاد مع مصر أو الاستقلال في خمسينات القرن الأخير وحالة الوحدة والانفصال بين الشمال والجنوب آنيا. غير ان الجدل لن يتشعب بنا كثيراً من أجل الاتفاق على التشابه إذا نظرنا في الحالتين عبر منظور الصراع بين الشمال والجنوب في نسقه السياسي العام.

من الصعب في الوقت نفسه الاتفاق على ان الانفصال عن الشمال يشكل مطلباً شعبياً في الجنوب كما كان حال الاستقلال عن مصر. لكن من المستحيل تجاهل المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق النخب الجنوبية وهي تمسك بخيار الانفصال تحت ضغوط تاريخية بتراكم الظلامات والتهميش. الخطيئة الوطنية تتمثل في توفير الانفصال على خيارات أخرى.

الدكتور فيصل طه يقول في كتابه وهو يتحدث عن نخب الشمال في الخمسينات «يبدو أن إنشغال النخب الحاكمة والمعارضة بقضية المصير الوطني» لم يجعلها تسمع زعيم حزب الأحرار الجنوبي بنجامين لوكي وهو يؤكد «أن الفوارق بين الشمال والجنوب ستفضي إلى واحد من أمرين، اتحاد فيدرالي أو دولتين مستقلتين مثلما انشطرت باكستان عن الهند».