ماذا يجري في جنوب لبنان، بقعة انتشار قوات الطوارئ الدولية المؤقتة (يونفيل) بين هذه القوات وأهالي المنطقة الذين يقف وراءهم «حزب الله» بشكل مستتر عموماً؟

هل نكون أمام العد العكسي لبدء انسحاب قوات الطوارئ، التي جاءت تنفيذا للقرار الدولي 1701 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان صيف عام 2006؟

في الوقائع أن مظاهرات كبيرة أطلقها الأهالي في مناطق عدسية وقلاوية، احتجاجاً على مناورات عسكرية نفذتها قوات الطوارئ، واعتبرها الاهالي نوعا من الاستعراضات المرفوعة في وجه المقاومة، التي تعتبر نفسها صاحبة النفوذ والقرار السياسي الرئيسي في المنطقة.

ما هي الحجج التي تسوقها قوات الطوارئ؟

تسجل قوات الطوارئ جملة ملاحظات، أبرزها:

1ـ لقد قام الأهالي بنحو 25 حادثة رشق حجارة على جنود قوات الطوارئ، أسفرت عن وقوع عدد من الجرحى في صفوفهم.

2ـ أن السلطات اللبنانية لم تقم بنشر العدد الكافي من جنود الجيش اللبناني، وهو 15 ألف جندي كما في مضمون القرار الدولي، بل اكتفت بنشر نحو 3500 عنصر، الأمر الذي أثاره وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير في زيارته الأخيرة إلى بيروت، وقبله وزير الدفاع الفرنسي ارفيه موران.

3ـ أن تحرك قوات الطوارئ أو أي تحرك يقوم به جنود «اليونيفيل»، لا يتطلب مشاركة مباشرة من الجيش الذي تجري إحاطته بالتحركات الرئيسية التي يقوم بها الجنود الدوليون.

4ـ أن الجيش نفسه لا يتعاون بما فيه الكفاية مع قوات الطوارئ، بل إنه غالبا ما يعمد إلى تأخير وصول الجنود الدوليين عند الشك في العثور على مخازن أسلحة، وفي محاولة لإبعاد المراقبة الدولية عن هذا الانتهاك الخطير.

5ـ أن الجنود الدوليين تكبدوا عناء المجيء إلى جنوب لبنان، ضمن إطار قوات الطوارئ الدولية الخاصة بحفظ السلام، ليكونوا قوة رادعة ومانعة لأي حرب جديدة، وهم لا يرغبون في أن يكونوا جنوداً أذلاء من أي طرف من الأطراف.

6ـ أن تحرك الأهالي ضد قوات الطوارئ ليس عفوياً، وهو حتماً منسق مع قوى الأمر الواقع في الجنوب، الأمر الذي يتطلب جوابا واضحاً من «حزب الله»؛ هل يرغب في بقاء قوات الطوارئ أم يخطط لدفعها إلى الانسحاب؟

في مقابل مضبطة الاتهام الدولية هذه، يقوم «حزب الله» والقوات السياسية المناصرة له بإيراد الحجج التالية:

1ـ أن المناورات العسكرية الأخيرة لقوات الطوارئ، حصلت من غير سابق تنسيق مع الجيش اللبناني، وحصلت داخل القرى وبين المنازل، الأمر الذي خلق حالة ذعر وارتباك لدى المواطنين.

2ـ رغم جميع الخروق الإسرائيلية المتمادية جواً وبرا، لم تقم قوات الطوارئ بما يكفي من جهد لتحذير مواصلة إسرائيل من خروقاتها، مما يخلق جواً من عدم الاطمئنان لدى الجمهور الواسع، الذي لم يعد يرى ان وجود الطوارئ هو بمثابة الرادع في وجه إسرائيل، أو بمثابة القوة الدولية الصديقة التي توفر الأمان وتمنع الاعتداء.

3ـ لقد قام بعض الدول الأوروبية التي يشارك جنود منها في قوات الطوارئ، باتصالات مع السلطات الإسرائيلية بهدف حماية جنودها وتحييدهم في أية مواجهة عسكرية، مما يجعلها متواطئة بشكل ما مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، أو متسامحة معها في أقل تقدير.

في مقابل هذين المنطقين المتعارضين، تقدم الجهات المحايدة قراءة موضوعية، قوامها أن القرار 1701 قرار ملتبس «وحمال أوجه» ويسمح بتفسيرات وقراءات متعددة، وأنه بسبب التباسه وغموضه فقد قبلت به الأطراف المتنازعة، مما يحتم على قوات الطوارئ أن تكون على علاقة حسنة مع كلا الطرفين، من غير انحياز إلى طرف واحد بعينه، كما يطالب كل طرف القوات الدولية أن تفعل.

وتعتبر هذه الأوساط أن ثمة ملفات ضاغطة ستفتح قريباً، وجميعها تتصل بحركة الصراع العام في لبنان والمنطقة؛ أولها أن مناقشة عملية التجديد أو عدمه لقوات الطوارئ ستتم خلال أسبوعين، وأن القوى المتصارعة تسعى في هذا الوقت الفاصل إلى تحسين مواقعها، أو تعديل «قواعد الاشباك» إذا استطاعت ذلك.

وثاني الاستحقاقات القريبة، ما يشاع من أن القرار الظني في المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، بات متوقعا صدوره قريباً، وأن سخونة سياسية (على الأقل) ستعقب هذا القرار يكون «حزب الله» جزءا منها، إذا تضمن القرار الظني أية إشارة إلى «حزب الله»، مشاركا أو متعاوناً أو محرضاً في عملية الاغتيال.

فهل يكون الاضطراب الحالي بين «حزب الله» وقوات الطوارئ جزءا من الحماوة السياسية المتصاعدة مع المجتمع الدولي، الأوروبي منه خاصة، بعد التوترات التي حصلت بين حزب الله» والقوات الفرنسية العاملة في إطار القوات الدولية؟

هل هناك، في أي من الجهتين، من يرغب في إنهاء الانتداب الدولي لهذه القوات التي باتت جيشاً مكتمل التجهيز من غير غطاء جوي فقط؟ (15 الف جندي)..

وهل نكون أمام خريف ساخن، بعد صيف هادئ ومزدهر اقتصاديا؟!

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae