يقول الله عز وجل في محكم التنزيل ؟إنا كل شيء خلقناه بقدر؟. ذاك القدر هو الذي حافظ على توازن الكون من كل نقص، وليخبر الله تعالى ذاك المخلوق الذي استخلفه في عمارة الأرض وحمل الأمانة، بالقانون الرباني الذي قام عليه الكون، حين قال سبحانه ؟لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون؟
ذاك الإحكام الكوني المنزه عن كل نقص وتناقض، وهذا الترابط المحكم هو أساس العلاقة بين مخلوقات الله. ولقد كان ما أراده الله لكونه، وما استأمن عليه خليفته في الأرض، وهو الإنسان الذي ميزه الله بالعقل وأمره أن يسير في ملكه بما أراده له، إلا أن ذاك الإنسان ظلم نفسه حين تدخل بيد عابثة تدفعه مصلحة ضيقة، أو بجهل لقانون الله في كونه، ليغير توازن البيئة؛ فراح يعبث ويلوث ويجرف.
ويسرف في استغلال مواردها ليشبع رغباته التي لا تنتهي، ويسعى إلى الكسب المادي دون النظر إلى الآثار القاتلة لمن حوله من بني جلدته، وحقوق الأجيال القادمة التي لا يجب أخلاقيا وإنسانيا أن تظلم مرتين؛ مرة في الجور على حقها في الاستفادة من ثروات وطنها، وأخرى في تسلم تركة بيئية مثقلة بآثام السلوك الإنساني من تشويه وتلويث ومسخ، وصدق الله حين قال ؟ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؟.
والخلل الذي أحدثه الإنسان، هو أحد أوجه الفساد الناتج عن تعامل الإنسان برؤيته القاصرة، مع البيئة التي تحملته لآماد طويلة واستطاعت أن تستوعب، بما أودعها الله من أسرار، الآثار الناتجة عن حماقات البشر.
ولكن التمادي والإصرار فاقا كل قدرة على التحمل والاستيعاب، فرفعت البيئة راية العصيان وكشفت عن الجريمة التي يرتكبها بنو البشر تجاهها، بداية من الفرد العادي، وليس انتهاء بمن أوكل إليهم بموجب الأمانة الوظيفية الحفاظ عليها.
ولا ننسى المثل الصارخ يوم أن قامت الصين بحملة لإبادة العصافير التي تأكل الأرز، وهو محصول استراتيجي لديهم، ظنا منهم أن ذلك المسلك كفيل بأن يوفر لهم زيادة في المحصول، وقد كان لهم ما أرادوا إلا أنهم بعد فترة وجيزة من الزمن ظهر لهم ما كانت العصافير تخلصهم منه دون أن يشعروا، وهو دود الأرض الذي كانت تتغذى عليه العصافير، والذي أتى على الأخضر واليابس.. فما كان منهم إلا أن قاموا باستيراد العصافير وتشجيع تربيتها، حتى تقيهم شر ما لا يعرفون وتعيد التوازن للبيئة مرة أخرى.
الحق أن مسلك الإنسان مع البيئة قاسٍ في كثير من الأحوال، فالنفايات البشرية تحيط بنا، فضلا عن النفايات السامة. والسحب السوداء أصبحت صورها مألوفة ومعتادة، وأمراض لم نكن نعهدها أصابت من حاولنا، وارتفاع درجات حرارة الكون يزداد، للحد الذي ستعجز معه كل وسائل التبريد خلال سنوات قليلة قادمة.
ولقد حققت دولة الإمارات من خلال جهودها المتواصلة واهتمامها بقضايا البيئة، مكانة مرموقة على خريطة العمل البيئي الدولي، ولم يكن ذلك إلا استلهاما لمنظومة قيمية في التعامل مع البيئة، أسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، والتي نتجت عن قاعدة متينة نشأ عليها منذ صباه.. يحدد ملامحها قول رسول الله {إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها}..
قاعدة تنهى عن قطع الشجر حتى في الحروب التي تراق فيها دماء الإنسان، وتنهى عن ذبح الحيوان إلا لأكل.. ما جعل برنامج الأمم المتحدة للبيئة يختاره (بطلا للأرض).
وسار على دربه الخلف الذين تربوا في مدرسة المؤسسين الأوائل، مؤكدين أن حماية البيئة هدف رئيس للسياسة التنموية للدولة، للحد الذي جعل إحدى مدننا هي الأنظف بيئيا على المستوى العالمي، وكذلك أخرى خالية من الكربون. بل إن استحداث الدولة لوزارة خاصة في 2006 تعنى بشؤون البيئة، لخير شاهد على صدق التوجه في الحفاظ على البيئة وتجويد الحياة في وطننا.
رغم كل ذلك، ما زالت هناك أوجاع في قلب الوطن تؤرق أبناء رأس الخيمة والفجيرة، وتجعلهم يستغيثون ليل نهار، علّ استغاثاتهم تجد من يلبيها ليخلصهم من أوجاعهم التي تسببها الآثار الكارثية للكسارات في حق الإنسان والبيئة.
فالفجيرة وحدها تحوي ثلثي عدد الكسارات على مستوى الدولة، مما سبب الأمراض الصدرية للأطفال قبل الكبار، وأدى إلى ظهور حالات السرطان لقاطني تلك المناطق، وامتد ذلك إلى غذائهم وقوت أطفالهم، فضلا عن تصاعد الغبار والأتربة من وحدات الإنتاج وتراكم مخلفاته على الطرق.
وما نتج عن ذلك من الحوادث التي راح ضحيتها أبرياء بغير ذنب اقترفوه، وكذلك تجاوز المساحة المصرح بها لموقع العمل، خاصة أن بعض تلك الكسارات يعمل دون تشغيل نظام المصفي في مناطق متاخمة للمناطق السكنية، بل والمناطق السياحية التي أصبحت أثرا بعد عين.
إضافة إلى ذلك، فإن الدولة تخصص في ميزانيتها سنويا ملايين الدراهم، لإعادة رصف الشوارع التي خربت نتيجة استخدام الشاحنات لها. كما امتدت آثار تلك الكسارات في رأس الخيمة، إلى خلايا النحل التي كانت تسكن الجبال فتضجرت هاربة إلى مأوى بعيد عن يد البشر العابثة.
كل ذلك والإجراءات التي تتخذها وزارة البيئة والبلديات لم تزل غير كافية، وقوانينها غير رادعة، ومسلسل البحث عن مبررات ما زال مستمرا للدرجة التي أصابتنا بالملل. ومن هنا فالنداء لعلاج هذه الأوجاع سيستمر، ما دام السرطان باقيا ولم يستأصل..
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
