الحديث عن تطوير هيكل ما يعرف «بجامعة الدول العربية» والمؤسسات التابعة لها، وتفعيل العمل العربي المشترك من خلال المجالس الوزارية والمنتديات التابعة للجامعة، وغيرها من التوصيات العربية الحالمة، التي دعت لها قمة طرابلس الخماسية التي انعقدت نهاية الشهر الماضي، أمامه زمن طويل كي يختمر في العقلية العربية ويتحول إلى فعل قابل للتنفيذ.

والملاحظ أن هذه القمة المصغرة فعّلت قرار القمة العربية الأخيرة التي عقدت في ليبيا في مارس الماضي، ومضت في تحمل مسؤولية تطوير العمل العربي المشترك، وتبرئة ذمتها أمام الأجيال حاضرا ومستقبلا، في ما يتعلق بالنهوض بواقع العمل العربي وتلبية تطلعات المواطن العربي البسيط، الذي يظل يحلم بوحدة عربية تنتشله من هموم الفرقة والتمزق والتشرذم، إلا أن التوصيات التي خرجت بها قمة طرابلس ستؤجل المضي بها قدما، حتى تعرض أمام القمة الاستثنائية التي من المزمع عقدها في أكتوبر القادم.

وعلى الرغم من أن هذه التوصيات ستحظى بموافقة جماعية من قبل أعضاء الجامعة، كما يتوقع لها، إلا أن التغيير الجذري العميق الذي دعت إليه التوصيات سيحتاج إلى قرون للتنفيذ.

ولا نقول هذا من باب السخرية أو التشاؤم، ولكن من خلال قراءة متأنية للتوصيات التي دعت إلى تطوير شامل للأجهزة الرئيسية التابعة للجامعة، إضافة إلى إنشاء مجلس تنفيذي على مستوى رؤساء الحكومات، يتولى الإشراف على أنشطة وبرامج المنظمات المتخصصة والمجالس الوزارية القطاعية، كما يتولى كافة المهام التي كانت موكلة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وإقامة مجلس لوزراء الاقتصاد والتجارة وربما إقامة مجالس أخرى وزارية.

أما بالنسبة للأمانة العامة فقد حمّلت مهام عديدة، من تقييم نشاطات وبرامج منظمات العمل المشترك، إلى تحولها إلى هيئة مفوضية يتبعها عدد من المفوضين، كما تقوم بتسيير ومتابعة العمل المشترك.

وهذا التداخل بين الامانة العامة وهيئة المفوضية يشوبه عدم الوضوح، فالتوصيتان منفصلتان تماما. ولعل تطلع القادة العرب للوصول بجامعة الدول العربية إلى مستوى الاتحاد الأوروبي قولا وفعلا، دعاهم إلى الموافقة على المقترح المصري بتغيير اسم الجامعة إلى «اتحاد جامعة الدول العربية»، وقد أبقوا على المسمى القديم وفاء للدور الذي قامت به الجامعة، وهو واقعيا دور حاضر غائب.

إن التوصيات التي تخرج من عباءة الزعماء العرب وتدعو إلى مثل هذا التغيير الشكلي الكبير، لا بد أن يواكبها كثير من التغيرات على أرض الواقع. فالوحدة أو الاتحاد الذي ترمي إليه هذه الدول، لن يتحقق في ظل تخلف سياسي عربي، واقتصاد تشرذمي، ومشروعات تنموية فاشلة.

وكما يقول المثل فإن «فاقد الشيء لا يعطيه»، وهذا ينطبق تماما على بيئتنا العربية التي تحمل بذور الانقسام في جيناتها وتورثها جيلا بعد جيل.

والمؤلم أن تقوم دولة مثل اليمن الشقيقة، تعاني ما تعانيه من انقسام بين شطريها، باقتراح إقامة «اتحاد عربي»، فتبني مثل هذه المشروعات المصيرية يشبه إلى حد ما فكرة إقامة المدينة الفاضلة. فالعرب بعد سنوات طويلة من الاستقلال، تراوحت مشاكلهم بين تحقيق عنصرين هامين؛ الأول يتعلق بتأمين سلام دائم في المنطقة، وتحقيق وحدة عربية مشتركة. وهذا ما لم يتحقق أبدا، فالمنطقة مرت بحروب متوالية، وفترات احتلال وتفكك ولا تزال.

أما بالنسبة لعملية الوحدة أو حتى التعاون المشترك، فحدث ولا حرج. فالتاريخ يشهد على فشلنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فعلى صعيد مؤسسات الجامعة لا نعرف ماذا يمكن أن نصف به تجربة البرلمان العربي، في حين أن بعض دولنا العربية لا يعترف بالتجارب البرلمانية من الأساس، ناهيك عن الاحتقان السياسي في دول عربية أخرى، لا تزال تجربتها السياسية قائمة على الحزب الواحد وتعددية زائفة.

الواقع العربي الطموح، والفوقية التي تحكم هذه الطموحات، والشعوب المغلوبة على أمرها، تجعل أية عملية تغيير في وضعية العمل العربي المشترك غير مجدية، لأن الدول المتحضرة التي لعبت دورا في إقامة اتحاد نوعي لا يعترف بالعرق ولا باللغة، وضعت مصلحة شعوبها نصب أعينها، وقد بدأت جهودها الوحدوية من منطلق محدد حتى وصلت للتكامل، بعكس التخبطات التي وصمت العمل العربي المشترك.

فحتى اللحظة لا ندري كشعوب، ماذا نحن مقدمون عليه، فهل هو اتحاد اقتصادي أم اجتماعي أم سياسي أم اتحاد عربي والسلام؟ وإذا كان من ضرورة لهذا الاتحاد، فمن يحدد أولويات وآليات هذا الاتحاد؟

هل هي نفسها المجالس الوزارية واللجان والأمانة العامة، أم نحن بحاجة لتغيير المسميات حتى تشعرنا بالتجدد والحيوية؟! إذن، نحن أمام نظرة جديدة لقادة وجدوا أنفسهم وجها لوجه أمام ضرورة التغيير، وترتبت على ذلك إعادة صياغة واقع جامعة الدول العربية المترهل، لتنشيطه والانطلاق به نحو الآفاق المستقبلية. وعليه لا بد، وقبل المضي في مشروع التغيير، من الوقوف على المشكلات الحقيقية التي كبلت أيدي الجامعة وكممت الأفواه.

فالعلة تكمن في نظامها الأساسي الذي يمكن أن يطيح بأي طموحات ويعرقل الجهود الصادقة لإحداث فارق في الواقع، ومن ثم العمل على تصفية النفوس العربية المتأزمة بسلسلة من الخلافات المعلقة، والتي لا تأخذ العمل العربي المشترك على محمل الجد والاهتمام.

وهذا ما نلمسه من القمم العربية التي يغيب فيها أغلب الزعماء عن الحضور وتقليل التمثيل الشخصي لأدنى مستوى، كي تصل الرسالة لجميع العيون التي ترقب هذا الحدث وتترك إحباطها في النفوس.. فهل تفلح الخماسية في ما فشل فيه التاريخ؟

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com