من الصعب التعامل مع دولة كبيرة مثل الولايات المتحدة، تسير فيها سياسة الرئيس أوباما في اتجاه، بينما سياسة الأجهزة المحيطة به تسير في اتجاه معاكس تماما. هذه الازدواجية في السياسة الأميركية، تعاني منها روسيا معاناة شديدة، تجعلها في حيرة من أمرها عند اتخاذها قرارا بشأن العلاقات مع واشنطن.
وقد بدت هذه الازدواجية بشكل واضح في ما حدث بالأمس القريب، عندما أعلنت وزارة العدل الأميركية عن القبض على ما أسمته «شبكة تجسس روسية)، وجاء هذا الإعلان في ختام زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف للولايات المتحدة، وهي الزيارة التي لاقى فيها ميدفيديف وزوجته ترحيبا غير عادي من الرئيس أوباما وزوجته، وخرجت الصحف معها تصف العلاقات بين البلدين بأنها في أفضل أحوالها في تاريخها.
ولكن لم يكد الرئيس ميدفيديف يصل إلى موسكو عائدا من واشنطن، حتى خرج هذا الإعلان من وزارة العدل الأميركية، وتم توزيعه بسرعة وبكثافة ليغطي كافة وسائل الإعلام العالمية من الشرق إلى الغرب، وهو الأمر الذي وصفته الخارجية الروسية ب(الادعاء غير اللائق والمشين».
لا شك أن اختيار التوقيت لإعلان هذا الخبر جاء متعمدا، ولو كان الأمر جديا وحقيقيا لكان من المفترض والواجب دبلوماسيا تأجيل الإعلان عنه، ولو لبضعة أيام قليلة، حتى لا يواكب مباشرة زيارة الرئيس الروسي لواشنطن والترحيب الكبير به.
إلا أنه يبدو أن الأمر مدبر ومتعمد، وربما يكون المقصود به الرئيس أوباما نفسه، وليس روسيا التي تعلم جيدا أنه ادعاء كاذب لا أساس له من الصحة، ويبدو أن اللوبي المعادي لروسيا في الولايات المتحدة، غير راضٍ عن أي تقارب مع روسيا.
إنها الازدواجية الأميركية التي تضفي جوا من الغيوم وعدم الثقة الدائم بين موسكو وواشنطن، والأمثلة على هذه الازدواجية كثيرة، ومنها تصريح لوزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس منذ أيام، قال فيه إن «فلاديمير بوتين قال له منذ ثلاث سنوات، أن إيران تشكل الخطر الأكبر بالنسبة للأمن القومي الروسي)، وهذا أمر لم يحدث وغير معقول، ولا يمكن أن يكون صدر عن بوتين مثل هذا الكلام، ولو كان هذا التصريح صدر عن بوتين بالفعل، فلماذا لم تعلنه واشنطن آنذاك وطيلة السنوات الثلاث الماضية؟
وهو تصريح غير عادي بالمرة، بل تصريح مناقض تماما لكل ما قاله ويقوله بوتين عن إيران، وتأكيده في أكثر من مناسبة أنه يضمن سلامة البرنامج النووي الإيراني.
إنها بالفعل الازدواجية الأميركية التي اعتادها ويعرفها العالم كله، والتي انكشفت تماما بعد غزو العراق الذي تم بناء على أكاذيب وأباطيل اعترف بها الأميركيون أنفسهم بعد ذلك، وهي أيضا ازدواجية واشنطن التي أعلنت عن تخليها عن نشر منظومة الدرع الصاروخي في أراضي بولندا وتشيكيا، بهدف إرضاء روسيا لكي توافق على توقيع اتفاق «ستارت ـ3» لتقليص السلاح النووي بين البلدين، ثم تذهب في نفس الوقت لتنشر صواريخ باتريوت الاستراتيجية على الحدود الروسية، في أراضي بولندا وتوجهها نحو روسيا.
إنها ازدواجية واشنطن، التي أقنعت موسكو وبكين بالموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي بشأن العقوبات على إيران، مقابل تخليها عن أية عقوبات أخرى من خارج مجلس الأمن، ثم ذهبت بعد صدور القرار بأسبوع واحد تستصدر قرارا من المجلس الأوروبي، بعقوبات أخرى أحادية الجانب على إيران.
وهي ازدواجية السياسة الأميركية التي تتوسل إلى روسيا لكي تساعد قوات حلف الناتو في أفغانستان، بينما تذهب هي تقود الحلف في تغلغله في الجمهوريات المجاورة لروسيا، وتدعم جورجيا بالسلاح لكي تتحرش بروسيا وتعتدي على جيرانها؛ أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المحتميتين بروسيا.
إنها ازدواجية السياسة الأميركية التي يعاني الكثير مع حلفائها في المستنقع الأفغاني، وتعلم جيدا ويقينا أن تجارة المخدرات الأفغانية هي المصدر الرئيسي لتمويل طالبان وتنظيم القاعدة، ومع ذلك ترفض تماما مطالب موسكو بحرق مزارع وحقول المخدرات في أفغانستان!
لا شك أن موسكو في حيرة من أمرها حول كيفية التعامل مع هذه الازدواجية في السياسة الأميركية والتي اعتاد عليها الأوروبيون طيلة العقود الستة الماضية، منذ أن قال الزعيم الفرنسي الراحل ديجول «يبدو أن أميركا مصممة على الحرب حتى آخر جندي أوروبي».
كاتب روسي