ليست الحكومات العربية وحدها هي التي تعيش أزمات، بل إن حركات التغيير المناهضة لها تعاني أزمات أعمق، وهو أمر ينتج نوعا من التكلس وتيبس المفاصل، فضلا عن الشعور الجماهيري بالاحباط الذي يتبع تعليق آمال وطموحات على غد أفضل، وحين يتضح أن ذلك محض سراب تسود موجة جديدة من السلبية واللامبالاة والانسحاب من المشاركة في الحياة العامة.

في الواقع العربي هناك ألف سبب يدعو الى تغيير الأوضاع القائمة، تبدأ بانكسار الأحلام القومية التي شكلت وعي جيل سابق، وما تبعه من فشل مرير في مواجهة الاستحقاقات الاقليمية وعلى رأسها المواجهة مع إسرائيل وتراجع المشروع النهضوي العربي بآفاقه الاقتصادية والعلمية والتنموية.

وكذلك تراجع فكرة المواطنة العربية والتي كان يفترض ان تمنح العربي أولوية أو على الأقل ميزات تفضيلية في العمل والاقامة والاستثمار في أي مكان شاء من المحيط الى الخليج، وتنتهي بفشل الرهان على القطرية والذي عانى منه هذا الجيل، والذي انعكس في تجارب حكم أغلبها قاد إلى دول فاشلة، وحكومات رأت استمرارها على كراسي السلطة غاية في ذاتها دون أن تحقق الحد الأدنى من الطموحات الشعبية في حياة كريمة، وبين بداية أسباب الاحباط ونهايتها هناك فساد ينخر في المجتمعات.

ودوائر نفوذ تدير الأمور لخدمة مصالحها الخاصة التي اتضح في كثير من الحالات تعارضها مع المصالح الوطنية، وجماهير عريضة مطحونة بين البطالة والعيش على حد الكفاف، وفوق هذا وذاك تتسم بأنانية فردية حيث يسعى كل فرد فيها الى حل أزمته بطريقته الخاصة، إما بالتدافع نحو الهجرة للغرب.

او بالانغماس في أحوال الآخرة والتعامل مع الواقع المعاش باعتباره أيام كبد وتمر، او بالانسياق في قطيع التدافع نحو تدبير الحياة المعيشية بمعزل عن القانون سواء بتلقي الرشى او بقبول الهرولة نحو الاحزاب الحاكمة خاصة أيام الانتخابات للحصول على منافع تافهة أو تخليص مصالح كان يمكن ألا تحتاج إلى جهد يذكر لو كانت سيادة القانون متحققة.

في هذا الواقع تعمل حركات التغيير والتي غالبا ماتبدأ بنوايا صادقة ومخلصة، ثم لاتلبث أن تنتقل اليها أمراض المجتمعات التي تعمل فيها، فهي إما تقع في فخ تقليد السلطة التي تقهرها فتمارس نفس افعالها دون وعي، او تبدأ بآمال وطموحات كبيرة سرعان مايتضح استحالة تحقيقها، فتخبو بعد نشاط وتتفكك بعد توحد، او انها تكون متمحورة حول شخص او مجموعة أشخاص فإذا تم تغييبهم بالنفي او الاعتقال ينفض السامر وتتحول إلى ظاهرة اعلامية.

مشكلة الثقافة العربية أنها ثقافة أبوية، لذلك فإن معظم حركات التغيير تحتاج الى كاريزما، ولأن السلطات تعي ذلك فإنها تلجأ الى تكسير كل الشخصيات الكاريزمية التي تتبلور، إما بالاغتيال المعنوي كما حدث في حالات عدة، او بالاستقطاب، او بسد كل منافذ العمل العام امام هذه الكاريزما، والتهديد ليس فقط بإلحاق الأذى بأصحاب القدرة على استقطاب الناس وانما عبر التنكيل بأسرهم وتحويل حياتهم الى جحيم لايطاق.

تحتاج حركات التغيير كذلك إلى تعبئة شعبية واسعة على المستوى الأفقي. وفي ظل السلبية واللامبالاة الجماهيرية لا تجد هذه الحركات سوى النخبة، وهي وإن كانت لازمة لاعطاء دفعة لنمو وتطور حركات التغيير إلا انها في الغالب تعاني من أمراض الذاتية، كما أن افرادها لم يعودوا قادرين على التوحد نحو هدف عام، فكثير منهم ينظر الى حجم الدور المنوط به وموقعه في الحركة الجديدة وما إذا كان سيمكنه من ان يكون مطلوبا للتحدث أمام عدسات الاعلاميين من عدمه، مما يعطي ايحاء لبقية افراد الحركة بأن سبب حماسه ليس تحقيق اهداف عامة بقدر ما يمثل رغبة في الظهور والشهرة.