لم يعد خافيا على أحد، الدور الذي تلعبه تجارة المخدرات في الحرب على ما تسميه واشنطن ب«الإرهاب الدولي»، ورغم اندلاع الحرب على الإرهاب وتواجد نحو مئتي ألف جندي أجنبي ضمن القوات الدولية في أفغانستان، مع ضراوة القتال هناك ضد حركة طالبان، إلا أن المعلومات الرسمية الدولية، والتي تؤكدها بيانات الهيئة الفيدرالية الروسية لمكافحة المخدرات، تفيد بأن إنتاج المخدرات في أفغانستان زاد خلال الأعوام الثمانية الماضية 44 مرة.
وحسب معلومات إدارة الأمم المتحدة لشؤون مكافحة تجارة المخدرات، تبلغ عائدات تجارة المخدرات العالمية نحو 320 مليار دولار سنويا. ويشكل نصيب أفغانستان وحدها 90% من توريدات الأفيون المخصص لإنتاج الهيروين على الصعيد العالمي، وتقدر عائدات المخدرات الأفغانية بنحو 140 مليار دولار سنويا.
وما زالت قضية المخدرات الأفغانية محل خلاف بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، حيث تصر روسيا على ضرورة إبادة حقول زراعة المخدرات في أفغانستان، ودعم ومساعدة المزارعين الأفغان وتعويضهم عن خسائرهم، بينما ترى واشنطن أن هذا الأمر مستبعد وصعب تنفيذه.
ويحتاج لوقت طويل من أجل إقناع الأفغان بالتخلي عن زراعة المخدرات التي تدر لهم عائدات أكبر من أي زراعة أخرى، علما بأن ما يحصل عليه الأفغان أنفسهم من جملة أكثر من 100 دولار سنويا عائدات المخدرات الأفغانية، لا يصل إلى 300 مليون دولار، لا يحصل منها عشرات الآلاف من المزارعين الأفغان إلا على نحو مليونين فقط من الدولارات، بينما يذهب الباقي جميعه إلى أصحاب الأراضي المزروعة بالمخدرات والذين يقدر عددهم بالعشرات، معظمهم مسؤولون في الحكومة الافغانية.
ويبقى السؤال الكبير حول الجهة التي يذهب إليها أكثر من 100 دولار من عائدات تسويق المخدرات الأفغانية في الخارج، وما هي القنوات التي تتحرك من خلالها هذه الأموال الضخمة عبر بنوك العالم؟
ولماذا لم نسمع عن أي عملية مراقبة أو ضبط لتحركات هذه الأموال، رغم الرقابة الشديدة التي تفرضها واشنطن على تحركات الأموال عالميا منذ بدء حملتها على الإرهاب؟ القضية أصبحت مثار جدل وشكوك كثيرة لدى جهات عديدة، وخاصة روسيا والصين اللتين يدخل أراضيهما الكم الأكبر من المخدرات الأفغانية، وتتسبب في مقتل أكثر من 30 ألف شخص سنويا في روسيا وحدها، الأمر الذي وصفه المسؤولون الروس بأنه «سلاح دمار شامل جديد موجه لروسيا».
واشنطن تدعي أنها تحارب الإرهاب والمخدرات في أفغانستان، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك تماما، كما أنه لا يمكن لأحد أن يصدق حرص واشنطن والناتو على مصالح مالكي ومزارعي حقول المخدرات الأفغانية وولائهم لهم، بينما يدعون في واشنطن أن المخدرات تشكل المصدر الرئيسي لتمويل الإرهاب في أفغانستان، بالضبط كما كانوا يقولون إن عائدات النفط العراقي كانت تذهب لتمويل الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل!
سبق أن قدمت روسيا للأميركيين معلومات عن 25 شخصاً متورطين في تجارة المخدرات الأفغانية، بالإضافة إلى تفاصيل عن 175 مختبراً لإنتاج المخدرات في أفغانستان، كما عادت في 25 فبراير الماضي وقدمت لواشنطن أيضاً قائمة «سرية» بأسماء تسعة أشخاص من أكبر وأخطر بارونات تجارة المخدرات الأفغانية الدوليين.
وكانت هذه القائمة سرا تحتفظ به موسكو ولا تريد التصريح به، لكنها قررت تقديمها للسلطات الأميركية كاختبار لمدى جديتها في مكافحة تجارة المخدرات الأفغانية، خاصة وأن القائمة تضم أسماء معروفة جيدا للسلطات الأميركية (على حد قول صحيفة «إزفستيا» الروسية).
حتى الآن لم تتخذ السلطات الأميركية أي إجراءات عملية في هذه القضية، وعلى ما يبدو أنها لا تنوي فعل شيء، الأمر الذي يثير شكوكا كثيرة حول قضية مخدرات أفغانستان، وعائداتها الكبيرة التي لا تقل كثيرا عن عائدات النفط العراقي.
ولا شك أن الجهات التي تذهب إليها هذه العائدات هي الجهات التي من مصلحتها بقاء زراعة المخدرات في أفغانستان، وحماية مزارعها، فكل مكان في أفغانستان يتعرض للقصف والدمار، ماعدا مزارع المخدرات.