مع قرب دخول الأزمة السياسية في العراق شهرها الخامس، بدأت المسارات المحتملة تتضح بشكل أفضل. محور الأزمة هو الصراع للحصول على منصب رئاسة الوزراء، في ظل:

1- إصرار ائتلافي «دولة القانون» و«الوطني»، على عدم منح ائتلاف «العراقية» حقه في تشكيل الوزارة، عبر وسائل عديدة مورست للالتفاف على استحقاقها الانتخابي.

2- تصميم حزب الدعوة الذي يتزعم ائتلاف دولة القانون على البقاء في السلطة، وإصراره على تسمية المالكي مرشحاً وحيداً لرئاسة الوزارة، رغم رفض بقية الفرقاء.

3- وقوف التحالف الكردستاني موقف المتفرج على ما يجري من حوارات ومناورات بين الائتلافات الثلاثة الرئيسية، منتظراً ما ستسفر عنه هذه الأجواء الملبدة بالغبار، من نتائج.

لقد فقد هذا التحالف قوته التي كان يتمتع بها بُعيد الانتخابات السابقة، حيث كان لديه 58 نائباً في البرلمان السابق الذي كان عدد أعضائه 275 نائباً، في حين لديه الآن 57 نائباً فقط من مجموع 325 نائباً في البرلمان الجديد، وبذلك تراجع من كونه الكتلة الثانية الأكثر عدداً في البرلمان السابق، إلى الكتلة الرابعة في البرلمان الجديد.

ومع أن هذا الضعف لم يخفض سقف مطالبه، إلا أن الفرقاء الآخرين لا يستبعدون تخفيض هذا السقف، خاصة أن رئاسة الجمهورية لم تعد خارج دائرة المساومات بين الائتلافات الثلاثة الفائزة.

زاوية أخرى يمكن النظر من خلالها إلى الأزمة، وهي أن الأسباب التي ذكرت آنفاً، تعكس مدى قوة العامل الخارجي الذي يهيمن على المشهد السياسي العراقي. فمنذ سقوط النظام السابق، أصبح هذا المشهد تحت شد تيارين رئيسيين يتجاذبانه في اتجاهين مختلفين؛ الأول في اتجاه إيران التي لا تخفي ميلها للأحزاب الدينية القريبة منها، والآخر في اتجاه العالم العربي مدعوماً من تركيا والولايات المتحدة.

وقد نجح التيار الأول في التفوق حتى هذه الساعة، موظفاً الثغرات الكثيرة في الدستور ومستفيداً من موقع رموزه في السلطة.

ووسط هذه الدوامة التي أضجرت جميع العراقيين، وباتت تؤرق دول الجوار وتسبب القلق للراعي الأول للعملية السياسية في العراق، الولايات المتحدة، يمكن رصد ثلاث ظواهر جديدة تزامنت مع الأزمة.

1- تصاعد دور الشارع العراقي، فمع أن دور الجمهور في صناعة العملية السياسية قد انتهى منذ السابع من مارس المنصرم، حين ترك النخب السياسية التي دفع بها لتجلس تحت قبة المجلس النيابي، تقرر مآل هذه العملية، إلا أنه وجد نفسه ملزماً بممارسة دور آخر لم يكن محسوباً لدى النخب التي حصدت أصواته، وهذا الدور قد انبثق عن الإحباط مما آلت إليه الأوضاع، والندم على المشاركة فيها حين أعاد انتخاب الوجوه نفسها المسؤولة عن شقائه.

فالانتفاضة التي تشهدها المدن العراقية بسب النقص والتداعي الكبير في الخدمات، ليست غير صحوة من حالة الخدر الذي أصاب هذا الشارع على مدى السنوات السبع الماضية، والذي أضفى على مرحلة ما بعد الاحتلال سمة لم يعهدها المواطن العراقي عبر تاريخه الطويل، وهي التسامح مع السلطة الحاكمة.

2- سعي حزب الدعوة للسيطرة على وزارتي الداخلية والدفاع، حيث صدر الأسبوع الماضي أمر من ديوان مجلس الوزراء، يقضي بإحالة 34 قائداً عسكرياً ومسؤولاً كبيراً في الوزارتين، على التقاعد، سبقه أمر آخر بإحالة 15 مسؤولاً كبيراً على التقاعد في وزارة الداخلية وحدها. البدلاء المرشحون هم ضباط مقربون للقائد العام للقوات المسلحة. وقد قوبل هذا الإجراء باحتجاج وزير الداخلية، الذي توجه نحو المحكمة الاتحادية متسائلاً عن قانونية إجراءات كهذه من قبل حكومة منتهية ولايتها.

3- تدويل الأزمة العراقية، فقد أدلى وزير الخارجية العراقي مؤخراً بتصريح مفاده أن الجمود السياسي في العراق، قد يتطلب تدخل الأمم المتحدة لإنهائه، مستنداً في ذلك إلى كون العراق لا يزال أسير الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

والحقيقة أن اللجوء إلى المنظمة الدولة خيار سبق أن طرحه ائتلاف «العراقية» في أكثر من مناسبة، رغم أن هذا الخيار يُبقي العراق لفترة أطول تحت الوصاية الدولية.

الأجواء في الأيام الأخيرة تشير إلى بدء نوع من التقارب بين دولة القانون وائتلاف العراقية، فالمالكي سيحصل من خلال تحالفه مع العراقية على أكثر مما يكسبه من تحالفه مع الائتلاف الوطني، إلا أن ما وقف حائلاً دون ذلك حتى الآن هو التخوف من أن انتقال السلطة إلى ائتلاف العراقية، قد ينهي العمر القصير لسيطرة الأحزاب الدينية على القرار السياسي العراقي، ليعود من جديد للقوى العلمانية والليبرالية، وهو كما يبدو خط أحمر وُضع أمام قيادات هذه الأحزاب، وقد يؤدي عبور المالكي لهذا الخط إلى انشقاقات في كتلته تفقده ثقله التفاوضي ليصبح الخاسر الوحيد.

تقارب دولة القانون المشوب بالحذر، مع ائتلاف العراقية، قد يكون له أكثر من تفسير؛ فهو قد يهدف فعلاً إلى تخطي الخطوط الحمراء وعقد صفقة مع العراقية، يتقبل المالكي فيها دوراً أقل من دور علاوي في المرحلة المقبلة، بسبب ضيق مساحة التحرك التي بقيت لديه، أو قد يكون مجرد مناورة يستخدم فيها آخر ورقة تبقت في حوزته، للضغط على الائتلاف الوطني.

أو قد يكون لكسب المزيد من الوقت لتعطيل العملية السياسية لما بعد انسحاب القوات الأميركية، مما يخلق حالة من الفوضى تفرض واقعاً يستوجب استخدام المالكي صلاحياته كقائد عام للقوات المسلحة.. ولعل ما اتخذه من إجراءات في وزارتي الداخلية والدفاع مؤخراً، يعزز استنتاجاً كهذا.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae