التجارب الشخصية أفضل مدرسة تعلم الإنسان ما لن يتعلمه في أي مدرسة أخرى، مهما كان مستواها العلمي.
لذلك فإن أبناء العائلات المنغلقة ـ التي تسمي نفسها محافظة مجازًا ـ والملتفة بجدران سميكة من المحاذير والممنوعات، يعانون كثيرًا في طريقة تعاملهم وتفاعلهم مع المجتمع، حين يخرجون إليه فجأة بعد الانتهاء من سنوات الدراسة العامة والجامعية، التي قضوها متمسكين بقضبانهم الفولاذية التي يبصرون العالم من خلالها، ويذوقون الأمرَّيْن من محاولة حل المعادلة التي سريعًا ما تخلق لنفسها مكانًا في أذهانهم وأعماقهم الفكرية والنفسية.
متضمنة في أحد أطرافها البيت/ الداخل/ ال(نحن)، وفي الطرف الآخر الناس/ الخارج/ ال(هم). إنها بحق معادلة صعبة لمن اعتاد أن يعيش في ظلال أحد طرفيها فقط، وهو الطرف الأيمن بالطبع، وكأن علامة (=) والطرف الأيسر بعدها غير موجودين في قواميس مثل هؤلاء الناس، لذلك لا يعلمونهما لأبنائهم، ويتركونهم للإحساس بالضياع والشتات النفسي.
مثل هؤلاء الأبناء هم ضحايا لتفكير ضحل، منغلق، وضيق إلى أبعد الحدود، فإذا كان هذا هو حال الأهل فما الذي نتوقعه من الأبناء! إنهم غالبًا ما يخرجون إلى العالم بأفكار مسبقة سوداء في معظمها، لا علاقة لها بالواقع الحقيقي الذي يتضمن الأسود والأبيض، والألوان الأخرى أيضًا.
لذلك فإنهم يخرجون إلى العالم وهم في إحدى حالتين؛ إما التأهب للمواجهة والاستعداد التام للدفاع بشراسة عما يحملونه من تصورات مسبقة ـ ضيقة ـ عما هو خارج حدودهم الذاتية، وهذا يعني أنهم لن يعطوا أنفسهم فرصة أن يجربوا العالم.. أن يعيشوا الحياة.. أن يتذوقوا طعمها، وبعد ذلك يحددون ما يريدونه منها وما لا يريدونه. إنهم مستعدون لمحاربة كل من يختلف عنهم، أو يناقشهم في أفكارهم التي نشأوا عليها، ظنًّا منهم أنها هي الصحيحة فقط ولا يوجد غيرها شيء صحيح.
لذلك سيعيشون عطشى والمياه تجري حولهم ومن تحت أرجلهم، لكنهم لن يُرووا عطشهم بها، لأنها تختلف عن شكل الماء الذي اعتادوا عليه في بيوتهم، حتى إن كانت النتيجة واحدة، وهي أنها سترويهم من العطش. هكذا هي حياة هذا الصنف الأول من ضحايا الآباء المنغلقين؛ حرمان بلا حدود.
أما الصنف الثاني، فهم أولئك الذين سيصابون بالصدمة، منذ احتكاكاتهم الأولي خارج حدود جدرانهم وقضبانهم التي اعتادوا عليها. ستتزعزع أشياء كثيرة عندهم، ولن يستوعبوا الفوارق الجذرية بين ما عرفوه واعتادوا عليه وعاشوا عليه عمرهم كله..
وبين ما يتعرفون عليه ويعيشونه منذ لحظة خروجهم للعالم الحقيقي، واحتكاكهم بالحياة الحية خارج حدود جدران الممنوعات وقضبان الأوامر والنواهي والتحذيرات. هؤلاء سيتعثرون كثيرًا في حياتهم، سيعيشون قلقًا وخوفًا، إقدامًا حينًا وإحجامًا حينًا آخر، سيتعذبون دون شك، ولكن ربما يصلون لشيء بعد عمر من التردد والشتات، وقد لا يصلون لشيء إلا إلى المزيد منهما.
الضيق والتحجر والانغلاق ليست أشياء سيئة دائمًا، فهي من الممكن أن تولد لنا شخصيات متمردة ومتحدية، وقادرة على كسر هذه القضبان الفولاذية، وقادرة أكثر على إيجاد ثغرة ولو بسيطة في الجدران السميكة التي اعتادت أن تحيط بها.. ثغرة يدخل منها النور إلى عوالم الظلام التي فيها نشأت، ومن الممكن أن تعمل على نشر ذلك النور في المحيط الممتد حولها.
من الممكن أن يحول الشخصُ الناجحُ المولودُ من الرماد، الذي لديه رغبة صادقة وحقيقية في النجاح، ظروفَه الصعبة الأسرية والاجتماعية خصوصًا، إلى عوامل محفزة وباعثة على الوصول إلى الهدف. المهم هو ألا يستكين الإنسان أو يستسلم لضغط الظروف والإملاءات الاجتماعية، وأصوات الوصاة والناصحين المستندين إلى نصوص يفهمونها كيف شاؤوا.
إن الاستسلام لكل ذلك، على الرغم من عدم الاقتناع به، من الممكن أن يدمر هذه الشخصية التي تتوافر فيها الشروط الواجب توافرها في أي شخصية ناجحة، لأنها استطاعت أن تميز الصواب من الخطأ، وأن ترسم الحدود التي امّحت بين المفاهيم بفعل فاعل، بقصد أو دون قصد، ومن الظلم أن ترفع مثل هذه الشخصيات الراية البيضاء أمام أي ضغط نفسي أو اجتماعي.
هذه السطور دعوة لكل شخص يجد أنه يعيش في الرماد، أو كاد أن يغطيه الرماد يومًا بعد يوم، حتى يوشك أن ينسى ملامح وجهه الحقيقية تحت رماد سنين من الإملاءات والتوصيات والأوامر والنواهي والممنوعات والمحظورات وغير ذلك، كي ينفض عنه ذلك الرماد، وينطلق نحو الحياة..
هي دعوة لكل من يشعر أنه يعيش ولا يعيش، يتنفس ولا يتنفس، كي ينقل نفسه من عالم الأحياء الأموات، إلى عالم الأحياء الأحياء، حتى يصل بعد عمر طويل إلى درجة الأموات الأحياء، فهناك فرق بين من يعيش لينفذ ما يُملى عليه دون تفكير، وبين من يعيش ليفكر ويقرر وينفذ عن قناعة ووعي.
جامعة الإمارات