عندما كتب الفيلسوف إيمانويل كانط مشروعه للسلام الدائم في العالم، كان مدفوعاً بشغفٍ مرير من أجل أن لا تتحول المدن ـ كما كان يقول ـ إلى مقاهٍ مؤقتة تقابلها مقابر أبدية. لم يكن يهم كانط، يومئذٍ أن يسقط فعل الكتابة لديه ليصبح مجرد أحلام كاذبة.

وكان يقول: «لا ينبغي أن تكون هناك حرب أصلاً».. ولقد أراد أن يتحول بالسلم العالمي من كونه موضوعة رجاء دينية، إلى مشروع فلسفي غايته تهذيب الإنسان الحديث، والارتقاء به من وحشية المتوحشين القائمة على العنف والحرب، إلى ما يسميه «الضيافة الكونية».. كانت غايته الكبرى إنجاز مشروع سلام دائم، يحلق في أفق المواطنة الكونية.

ماذا لو اقتربنا لبنانياً من مثل هذا السبيل من المواطنية؟

لا يحتاج الأمر في لبنان إلى عارفين بالفلسفة السياسية، لكي يتدبَّروا مثل هذا الكلام. فالسؤال عن العقل واستعادته ليكون حامياً للبنان من العنف، هو سؤال جائز. وجوازه يكمن في إمكانه، فضلاً عن إمكان وقوع الجواب عليه. صحيح أن لبنان طيلة الأعوام التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شتاء 2005، كان قاب قوسين أو أدنى من جحيم أهلي أعِدَّ له بإتقان. لكن الصحيح أيضاً، أنه كان بالإمكان اجتناب النار، والنأي بالبلاد عن الكوارث الأهلية المحدقة.

يومها بدت هذه المعادلة مستحيلة، بالنسبة لكثيرين خَبِروا الأزمنة المتعاقبة التي عاشها لبنان على مدى تشكُّله ككيان سياسي مستقل. فهولاء باتوا ينطلقون من تصورات ثابتة مؤدَّاها أن دورات العنف تدخل في أصل النشأة اللبنانية، وأنها من طبائع هذه النشأة. بل أكثر من ذلك، فلقد ظهر عنف الطوائف اللبنانية في أحيان شتى، وكأنه شيءٌ محمولٌ على حكم القضاء والقدر. مع ذلك، فللمعادلة اللبنانية التاريخية وجه آخر.

نزعم أن ثمة إرادة لبنانية لدى أبناء الطوائف والمذاهب جميعها، في الإعراض عن العنف، وعدم الدخول في جحيمه المدمّر. وهذا مردُّه إلى حدسٍ شعبي لبناني، يستشعر هول الكارثة قبل وقوعها. حتى إذا وقعت، لم يستجب لها إلاّ من وجد في العنف سبيلاً لقلب المعادلات، وإعادة تشكيل الأوضاع وفقاً لرغبات ومصالح لا تمت إلى مصلحة لبنان والعرب والمسلمين بأية صلة. صحيح أن مبدأ العنف يقع في أساس نشوء لبنان منذ العام 1920، لكن من ضرورات اللحظة الراهنة القول إن تقديم العقل على العنف، سيمكِّن اللبنانيين من اجتناب اختبارات الموت المفتوح.

هل من سبيل إلى ذلك؟ بليَ.. رغم كل ما سبق من تحشيدٍ هائلٍ لعناصر الفتنة. وفي التجربة التاريخية اللبنانية، الكثير من النوافذ المشرعة على درء العنف، أو إيقافه عند جولته الأولى. فسنرى ممن سمّوا ب«حكماء الكيان»، كيف كانوا يحذرون على الدوام من التسليم بمبدأ العنف الذي يحكم شروط اللعبة السياسية في لبنان، على اعتبار أن التسليم به يسوَّغ موضوعياً للحروب الأهلية.

ويؤسس لها ثقافياً بوصفها قَدَراً محتّماً. ومن هؤلاء من ذهب إلى وجوب المحافظة على الميثاق التوافقي، الذي أبرمته الطوائف عند تأسيس لبنان في العام 1920 ثم كرسته في العام 1943، ثم أعادت إنتاجه في اتفاق الطائف عام 1989. لقد آمن هؤلاء بضرورة المحافظة على هذا الميثاق، والنظر إليه كتقليد يضمن بقاء الكيان ويحميه من العنف.

كان المؤرّخ كمال الصليبي يرى أن «في لبنان عنفاً كامناً لا يمكن احتواؤه إلاّ بالرأي السياسي الصائب». ومن طرفنا نقول إن الواجب يقتضي الأخذ بالتعقلّ في لحظة احتدام الغرائز، حيث تشعر كل طائفة حينها بخطر الموت والاندثار.

هنالك إذاً، مساحة بيِّنة بين طور وطور من أزمنة العنف اللبناني. إنها المساحة التي يكون فيها للعقل المسدَّد بالأخلاق حضورٌ في السياسة. فلقد ظهر على نحو لا ريب فيه، كم لتغييب العقل من أثر حاسم في ارتفاع منسوب العنف في لبنان. وتفصح الدراما اللبنانية عن حقيقة أن الحرب الأهلية ما كانت لتستغرق كل هذا الزمن وتفضي إلى ما أفضت إليه، لو كان ثمة عقلٌ جامع ينتج رأياً عاماً يصونه ويحميه.

لعل مسألة الخلاف على تاريخ لبنان، هي المسألة الخلافية الكبرى التي غالباً ما تستولد العنف بين الطوائف، ولا سيما لجهة ماهية هذا التاريخ، وهويته، ومن أين يبدأ، وما هي الصيغة التي تُفصِح للبنانيين عن تاريخهم وتحظى برضاهم في الوقت نفسه؟ ثم ماذا عن إمكان يتفق عليه اللبنانيون لإحراز رؤية موحّدة لتاريخهم؟

لنقترب قليلاً من تصور يضعه الصليبي للجواب على هذا السؤال، وهو يأتي في سياق بلورة مقترح نظري، يُحتمل أن تجتاز النخب اللبنانية بواسطته مأزق العثور على تصور واحد لتاريخ بلدها.

ينطلق أصحاب هذا التصور من حقائق التجربة التاريخية اللبنانية المعاصرة، ليلاحظوا ثلاثة استنتاجات:

الأول، أن تجربة الحرب الأهلية في لبنان أثبتت، بما لا يقبل الشكّ، أن أي طرف من اللبنانيين لا يمكنه أن يفرض رأيه بسهولة على الطرف الآخر. وهذا يعني أنه لا يمكن حل مشاكل لبنان، بما فيها تلك المتعلقة بالتاريخ اللبناني، إلا من خلال تنازعات عقلانية متبادلة، تتم بين اللبنانيين على ضوء حقائق معينة.

الثاني، وجود مؤشرات واضحة على أن البلد قد بلغ الإجماع السياسي الأساسي، لدى الأكثرية المواطنية غير المتقاتلة من مختلف الطوائف اللبنانية، وربما أيضاً من عناصر كثيرة من الفئات المتقاتلة، مما يجعل استمرار وجود لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة داخل حدوده الراهنة، أمراً ممكناً.

أما الثالث، فهو أن العالم العربي، ومهما يكن موقفه الأولي من لبنان، أصبح يقبل بالجمهورية اللبنانية كما هي فعلاً؛ ويفهم البنية الحساسة للمجتمع اللبناني ويقدرها كما لم يقدرْها في السابق. وهذا يعني أن التسليم بعروبة لبنان ـ إلى الحد الذي قد يكون فيه هذا المفهوم صحيحاً ـ لم يعد يشكّل خطراً على استمرار سيادة البلد ووحدته، ولا على منزلة أية مجموعة معينة من اللبنانيين، هذا إن كان قد شكّل مثل هذا الخطر في الماضي.

لعل استنتاجات كهذه، لو صحت في اختبارات الحوار الذي يرنو إليه ممثلو الطوائف اللبنانية، يمكن أن تشق سبيلاً إلى التفاؤل. غير أن التفاؤل الذي نريد له أن يُنقل من المجاز إلى الحقيقة، يبقى رهناً بتبدلات جذرية في أفهام ومعارف اللبنانيين حيال تاريخهم وهويتهم. وهي الأفهام والمعارف التقليدية، التي لم تبرح تلقي بثقلها على البنية الصمّاء للثقافة السياسية اللبنانية.

باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com