أثار قرار إدارة شركة «غاز بروم» الروسية الخاص بتقليص صادراتها من الغاز إلى بيلاروسيا، قلق المستهلكين الأوروبيين، باعتبار أن حوالي 30% من وارداتهم من الغاز الروسي يتم ضخها عبر خط الأنابيب المار في أراضي بيلاروسيا.
السبب الذي أعلنته إدارة «غاز بروم» لقرار تقليص الغاز الذي يضخ إلى بيلاروسيا، هو عدم سداد حكومة مينسك لديون مستحقة تصل إلى أكثر من 190 مليون دولار، وقد تراكمت هذه الديون لأن مينسك أصرت على سداد قيمة الغاز الروسي وفق أسعار العام الماضي، وتجاهلت قرار «غاز بروم» برفع الأسعار خلال العام الجاري بنسبة 20%.
ومع تفاقم الأزمة، تبين أن ديون شركة «غاز بروم» المستحقة السداد نظير مرور الغاز الروسي عبر أراضي بيلاروسيا، وصلت إلى 260 مليون دولار. بل إن مينسك منحت شركة «غازبروم» مهلة زمنية لتحويل ديونها المستحقة من ترانزيت الغاز، وإلا سيتم وقف ترانزيت الغاز الروسي إلى أوروبا أو تقليصه.
وكان ألكسي ميلر رئيس إدارة شركة «غاز بروم»، قد اعتبر أن السلطات البيلاروسية طالبت «غازبروم» بسداد قيمة ترانزيت الغاز عبر أراضيها، طبقا لسعر مختلف عما ورد في العقد المبرم بين الطرفين.
وللوهلة الأولى اعتبر العديد من المراقبين أن تصريحات مينسك عن ديون «غاز بروم» المستحقة السداد، ما هي إلا محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن قيام شركة «غاز بروم» بتحويل مبلغ 228 مليون دولار، كشف عن أبعاد أخرى لحرب الغاز.
ولا شك أن هذه الضجة التي انتهت عمليا بسداد «غاز بروم» لديون مستحقة عليها، بعد أن تفجرت الأزمة استناداً لمعلومات معاكسة لذلك، تكشف أن خلفية الأزمة ليست تجارية، وأن سبب تقليص الغاز الروسي الذي يتم توريده إلى بيلاروسيا، ليست له علاقة بالحسابات بين شركتي «غاز بروم» الروسية و«بيلترانس غاز» البيلاروسية.
وخلال احتدام حرب الغاز بين موسكو ومينسك، كان واضحا أن رفض بيلاروسيا الانضمام إلى الاتحاد الجمركي الذي يضم روسيا وكازاخستان، والذي من المفترض أن يتم تأسيسه خلال شهر يوليو، من أسباب تفجير هذه الحرب، إذ اعتبرت بيلاروسيا أن شروط انضمامها للاتحاد غير مجزية.
كان ذلك عقب إعلان مينسك عن استيائها من قرار موسكو بفرض رسوم تصدير على المنتجات النفطية الروسية، التي يتم توريدها إلى بيلاروسيا، وإلغاء نظام الإعفاء من هذه الرسوم الذي كان ساري المفعول خلال الأعوام الماضية، ما سيؤدي لأن تخسر بيلاروسيا حوالي 8 .1 مليار دولار سنويا.
واعتبرت بيلاروسيا أن لها الحق في هذه الإعفاءات، باعتبار أنها فتحت أراضيها للتعاون مع روسيا في كافة المجالات، بما فيها المجال العسكري، واستنادا لاتفاق تأسيس دولة الاتحاد بين بيلاروسيا وروسيا.
وردا على موقف موسكو، أعلن الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو آنذاك أن بلاده تعتزم تطوير العلاقات مع روسيا والغرب بشكل متوازٍ، وأنها لن تخضع لأية شروط تتعلق بشؤونها الداخلية، وأكد أن مصلحة بلاده تكمن في انتهاج سياسة خارجية متعددة الاتجاهات.
ودفع هذا موسكو لاتخاذ خطوة أكثر حدية، تمثلت في التوقف عن تقديم الجزء المتبقي من قرض مقداره مليار دولار وعدت به روسيا حكومة مينسك.
وقد يصح القول إن العلاقات بين موسكو ومينسك بدأت تعاني من أزمات في أعقاب حرب القوقاز، خاصة بعد أن رفضت بيلاروسيا الاعتراف باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
ورغم أن الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو دعا موسكو عدة مرات لاستخدام أراضي بلاده لنشر منظوماتها الصاروخية لمواجهة مخاطر الدرع الصاروخية الأمريكية، بل وسعى لتطوير التعاون السياسي والعسكري معها.
إلا أن الشركات الروسية كانت تمارس ضغوطا متنوعة على حكومته. ما دفع البعض للتساؤل حول ما تسعى إليه كبريات الشركات الروسية، ومدى انسجامه مع مصالح روسيا الاستراتيجية وأمنها القومي!
لا شك أن نظام لوكاشينكو السياسي يختلف بشكل جذري عن النظام السياسي الروسي، إلا أن إزاحة لوكاشينكو من السلطة في بيلاروسيا، ستهدد الأمن القومي الروسي بشكل جدي، لأنها ستفسح المجال لأنصار الغرب لتسلم مقاليد السلطة في مينسك.
لذا لا يمكن الحديث عن تباعد في المصالح بين البلدين، في ظل خطوات غربية لنشر عناصر الدرع الصاروخية، والتوسع شرقا. وبدلا من البحث عن حلفاء، لا بد من تعميق الشراكة مع الدول المجاورة.
خبيرة روسية في شؤون الطاقة
jannamarat@km.ru