المتتبع لمجريات الأحداث في الشارع العربي وحالة الغليان التي تكاد تفتك بالبلاد والعباد وانتشار ثقافة الزحام، وهي الثقافة التي أثمرت حالة من الضبابية وسوء الفهم نتيجة لانعدام الأمل في غد أفضل.
مما أنتج حالة من الفوضى غير الخلاقة، فوضى يغذيها غياب العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، أسفرت عن ولادة جيل مغترب عن وطنه وعن نفسه، لا هدف له يسعى لتحقيقه ولا أمل يعيش من أجله، فالفقر في الوطن غربة.
على الجانب الآخر تجد المسؤولين يتحدثون عن مستويات النمو وزيادة الناتج القومي ومعدل الاستثمارات، وكأن الشعوب تتغذى على أرقام لا تنعكس آثارها على الواقع المعاش، بل يزداد إيمانهم بأن القادم دائما أسوأ.
الحق أننا أمام صورة من صور الانفصال بين واقع بعض الشعوب العربية، وبين حكوماتها التي تبنت أيديولوجيات ثورية، ورفعت لسنوات عديدة شعارات براقة صمت آذاننا وملأت الأرض ضجيجا، ولم يتحقق منها شيء على أرض الواقع..
بل أنتجت مزيدا من الفقر لشعوب تزخر بلادها بثروات كنعم الله لا تعد ولا تحصى، لكن سوء الإدارة وأصحاب الحظوة ومن حولهم، استأثروا بها تارة وأهدروها تارة أخرى.
إن المواطن في بعض الأقطار العربية يعيش بين مطرقة الفقر وضيق العيش، وسندان التجاهل من الحكومات وكأنها مسألة ممنهجة ومقصودة، ليظل يلهث وراء إشباع الحد الأدنى من احتياجاته الأساسية؛ من طعام وكساء، فضلا عن المأوى الذي أصبح حلما صعب المنال في زمن أصبحت فيه القبور مأوى للأحياء قبل الأموات..
أما أن يطالب الفرد بعمل يدر عليه دخلا ويكفل له عيشا كريما ويعينه على تعليم أبنائه، فذاك ضرب من المستحيل. ولست هنا مبالغا، فالبطالة في العالم العربي تتعدى نسبتها 20%، والأمية تصل إلي 45%، والعنوسة تتعدى 40%.. والأرقام في زيادة، وليست هناك طاقة نور تهدئ من روعنا في آخر النفق المظلم.
وخطورة هذا الموقف أن الفقر والبطالة والفساد وغياب العدالة وانتشار المحسوبية واستغلال النفوذ، نتائجها وخيمة. فكل حركات العنف والتكفير والإرهاب الكارهة لمجتمعاتها والمناوئة لها، بل والتي يكتوي بنارها العالم من شرقه وغربه شماله وجنوبه، خرجت من رحم هذه المنظومة المختلة.
حيث يصبح منطق القوة هو الطاغي لا قوة المنطق، لأناس جعلت أوضاع مجتمعاتهم من الحليم حيرانا، فسعوا إلى هدم وتدمير ما حولهم رافعين شعار «إذا مت ظمآناً فلا نزل القطر»! ولست هنا في مقام البحث عن مبررات لسلوكياتهم التي يرفضها كل عاقل، غير أني أشخص حالة نراها أمامنا.
إن الخلاص من كل هذه المنغصات التي تطل علينا ليل نهار من شاشات الفضائيات وتطالعنا بها صفحات الصحف، للدرجة التي جعلتنا نعتاد عليها، واكتفينا بالتأثر حينا وشكر الله على ما منّ به على بلادنا من نعم وما غمرنا به من فضل.
لكن لا تكتمل إنسانيتنا إلا بإحساسنا بجراح غيرنا، التي لن تندمل إلا بتحمل الحكومات لمسؤوليتها الاجتماعية أمام شعوبها، لتفعيل شبكة من الضمان الاجتماعي، تجعل الفرد آمنا في سربه معافى في بدنه، يملك قوت يومه ويأمن على غده وغد أبنائه.
والضمان الاجتماعي في معناه يعني كفالة الدولة والإنفاق والإعالة، إضافة إلى التربية الاجتماعية للقضاء على الحاجة وتحرير الفرد من الفاقة والعوز. وهو من هذا الجانب وظيفة جوهرية للدولة صارت غائبة، ولا مناص لها من القيام بها لحماية الفئات الضعيفة والحفاظ علي مقومات حياتها، ضد نوائب الزمن في حالة المرض والبطالة والعجز والأمومة والشيخوخة وحتى الوفاة.
بتخصيص دخل مناسب يعين من ليس لديه دخل، حتى يجد مصدرا للدخل عند العمل أو بديلا لمن انقطع دخله، من خلال قانون ينظم ذلك بشكل مستمر يدفع عنه مخاطر البؤس والحاجة، وهو في ذلك يختلف عن التكافل الاجتماعي الذي يقوم به الأفراد كشكل تطوعي وغير ملزم وغير مستمر.
إن التخلف الذي يضرب جنبات عالمنا العربي، هو عرض لمرض، والمرض هو عدم شعور أبنائه بالأمان ووقوعه أسير الحاجة والفقر الذي يقتل كل إبداع، فكما قال الحكيم «لا يستشار من ليس في بيته طحين»، فكيف به يبدع وينتج ويبتكر!
ولن أكون حالما وأطلب من الحكومات في عالمنا العربي أن تقتدي بالخليفة الراشد عمر بن الخطاب، حين قال «أخشى لو تعثرت دابة بالعراق أن يحاسبني الله عليها لمَ لمْ أعبّد لها الطريق»، لكن فقط أن يمنحوا شعوبهم ضمانا اجتماعيا انتهاجا لما تقوم به الدول الغربية لمواطنيها والمقيمين على أراضيها، أو أضعف الإيمان أن يمنحوا شعوبهم أسباب حياتهم، حتى وإن تركوا لهم الطرق وعرة فسيجتازونها.
عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
Dralkhaja@gmail.com