تعودنا على جلد الذات، وكأنه الباب الوحيد للهروب من مرارة الواقع والخلاص منه، وكأنها الدكة الأخيرة التي نغسل فيها أجسادنا من الكبوات والعثرات، هكذا بدأنا نقتنع بهذا السلوك شيئا فشيئا في مواجهة المحن، لكن أن نجلس ونفكر ونتمعن ونتأمل ونعمل عقولنا بحثا عن ثغرات وأسباب لخساراتنا، فنحن بعيدون عن هذا المنهج.. هكذا ترسخ في عقلية العربي، حتى في مواجهاته لأبسط اعتراضات الحياة.

بالامس، وأنا من ضمن الذين تأخذهم رياح الكرة إلى بلاد مانديلا، البطل المكافح الذي تكبد الشدائد والعيش ليالي سوداء في سجون لا تعرف النور.. قال التلفزيوني المتلفز الذي راح يبحث عن الاسباب التي لا تجعل العرب يستمرون في منافسات بطولة العالم لكرة القدم: لماذا لا نصل؟

لماذا لا نفوز؟ ألسنا بشرا مثلهم؟ أليست لدينا اقدام كأقدامهم وأجساد كأجسادهم؟ ألا نتعب مثلما يتعبون؟ ألا نحزن مثلما يحزنون؟ ألا نفرح مثلما يفرحون؟.. واستمر المعلق في استرساله الادبي في تناول هذه المقاربات، أو بالاحرى هذه الثنائيات المتضادة في الاوصاف، وهو يبحث عن سر انهزامنا في بطولة كأس العالم، نصل التصفيات الاولى، نقترب من التأهل.

ثم تغيب الرايات العربية منكفئة، تعود من حيث أتت، فيخلو المستطيل الاخضر من رائحتهم ومن ملحهم، يغيب العرب، أو يجلسون في صفوف المتفرجين، ينقطع الامل فجأة، ولا أسباب لذلك. هكذا يقول التقرير الرياضي وهو يعرض لحال العرب في أشهر مونديال كرة..

صحيح أنه لا ينقص العرب من النواقص تحقيق بطولة في كأس العالم، وصحيح أن الاولويات ليست في الكرة، مقارنة باستحقاقات الريادة الأخرى، لكن تبقى كرة القدم هي أشهر لعبة شعبية في العالم، وتبقى الشعوب العربية، مهما عانت من انتكاسات في حياتها، راغبة في الدخول إلى «موال» العالم، ولو كان هذا الموال كرة.

البعض يصرح أيضا.. اذا لم تقم لنا قائمة في اي مجال على المستوى العالمي، فعلى الاقل فليكن ذلك في كرة القدم.. البعض الآخر ايضا يقول.. لا نريد الكأس، ولا لعب النهائي مع البرازيل، لكن على الاقل لننافس على الدور النهائي، وبعض البعض يقول ايضا.. ليكن الدور الاول كافيا، لكن ليس بفريق عربي وحيد، بل بثلاثة واربعة..

وهكذا يريد العرب مكانة كروية، إنها رغبة لدى الشعب العربي؛ من الطبيب والمهندس والعالم، إلى بياع الفجل على أرصفة اسواق الفقراء.. هو حلم، حلم عربي حتى ولو كان حلم «كورة»..

حينما ينهزم الفريق العربي، أي فريق عربي، ويخرج من قائمة تصفيات كأس العالم، يتذكر الجميع قائمة استحقاقات الفوز، وهي قائمة طويلة، تبدأ بالحرية وتنتهي برغيف الخبز، حتى ولو مرت كل هذه الاحلام الثقال أمام عارضة المرمى، أو كان لاعبها في موقع تسلل!!

mhalyan@albayan.ae