أبرزت الأزمة المالية والاقتصادية التي مرّت بها اليونان الطريق المسدود التي يواجهها البناء الأوروبي، وكذلك زاد قليلا تشوّه صورة الاتحاد الأوروبي. ثمّ إن البطء الذي تحرّك به المسؤولون السياسيون الأوروبيون على هجوم الأسواق المالية ضد اليونان والقيام بفرض خطّة تقشّف على الشعب اليوناني أدّى إلى شحوب صورة أحد أكثر رموز مسيرة الاتحاد الأوروبي نجاحا، أي اليورو. وكان من المفروض أن تجلب العملة الأوروبية الموحّدة النمو والازدهار والحماية الاجتماعية وأن تكون رمزا للوحدة والتضامن الأوروبيين.

لكن الواقع للأسف هو غير ذلك. ولقد توضّحت اليوم شراسة الهجوم الذي ساهمت فيه مؤسسات مالية أميركية ضد اليونان. كما فعلت ساهمت فيه بنوك، مثل غولدمان ساتش، بعد أن كانت قد ساعدت اليونان على «تمويه» فداحة ديونها خلال السنوات الأخيرة. في مواجهة مثل تلك الممارسات العدائية كان من الطبيعي المراهنة على إجابة سريعة وجازمة وتضامنية من قبل الاتحاد الأوروبي..

لكن لم يحدث شيء من هذا. مع ذلك إذا كان يتم النظر إلى العملة الموحدة على أنها أكبر إنجازات التكامل الأوروبي وأن إفلاس إحدى الدول الأعضاء يمكن أن تكون له نتائج وخيمة بالنسبة لمنطقة اليورو كلّها، فقد كان من المنطقي إذن التحرّك السريع والقوي.

لكن اتفاقية برشلونة ذات التوجّه اللبرالي القوي تنصّ في البند 103 أنه لا يحقّ لأية دولة عضو أن تعتبر نفسها مسؤولة عمّا تفعله دولة أخرى ومن الممنوع التدخّل المباشر للاتحاد الأوروبي من أجل إنقاذ دولة تعاني من صعوبات مالية.

الخلفية الفلسفية لمثل هذا السلوك هي حريّة السوق والمنافسة المعممة. المحزن في الأمر أنه رغم ما يتردد منذ سنوات أن اليورو كان العملة الأقوى في العالم، فإنه في الواقع لم يكن قويا سوى عبر زيادة قيمته. لقد كان الفشل جليا. فالفارق في قدرة المنافسة بين البلدان التي تبنّته بالإضافة إلى القواعد المالية الصارمة والجامدة خلق المناخ الملائم لهجوم المضاربين الذين يمكنهم أن يشنّوا هجوما على عدّة بلدان دون خشية أن يواجهوا رد فعل من قبل مجموع الشركاء.

إن حلم قيام أوروبا قوية يمكنها أن تؤثر على موازين القوى الجديدة على المسرح الدولي هو بصدد التلاشي. لا شك أن الاتحاد الأوروبي يزعم أنه يحافظ على مكانته في المنافسة الدولية الحامية، لكن لجوءه إلى صندوق النقد الدولي لمحاولة إنقاذ إحدى دوله يقول غير ذلك، بل هو أمر مهين. إنه اعتراف بفشل الخط والطريقة المتبعين منذ سنوات في البناء الأوروبي.

والأوهام التوحيدية ـ الفدراليةـ الأوروبية هي بطور التلاشي. إن بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 تمارس المنافسة فيما بينها أكثر مما هي تبرهن عن تضامنها. وهكذا وصل الأمر مثلا بوزيرة الاقتصاد الفرنسية إلى حد القول إن دعم اليونان عملية مربحة، ذلك أن الدفعة الأولى من هذه المساعدة ستدرّ فوائد قيمتها 150 مليون يورو. إن البنوك تستطيع مثابرة الحصول على أرباح تترتب على خطّة التقشّف اليونانية بينما أن هذه البنوك هي المسؤؤلة الأولى عن الفوضى الاقتصادية العالمية.

وبالنسبة للشعوب الأوروبية قد يكون الدواء أسوأ من العلاج. لذلك لا بدّ من تبنّي منطق آخر في بناء الاتحاد الأوروبي باتجاه التأكيد على ما هو سياسي وما هو اجتماعي. وبدلا من اتخاذ إجراءات ليست في صالح الأقل حماية لماذا لا يتم تبنّي المنطق المعاكس ورفع رقابة البنوك مثلا على الاقتصاد والمجتمع عبر إنشاء خدمة مصرفية عامّة موحّدة؟

ولا بدّ من إدراك أنه بدون تغيير اتجاه المنطق السائد حاليا فإن هناك خطرا كبيرا في تبلور أشكال من التقهقر السياسي وفي أن تحقق التيارات الداعية للسيادة والمتزمتّة قوميا والكارهة للأجانب نجاحات انتخابية كبيرة في الأشهر القادمة.

لقد جرى تبنّت اتفاقية مستريشت معايير صارمة على الصعيد الاقتصادي وقد حان الوقت لوضع سياسات ذات طابع اجتماعي. ومن الواضح أن النهج الحالي لن يسمح بمواجهة التحديات الهائلة التي تلوح في أفق الاتحاد الأوروبي، وبالتالي ينبغي تغيير هذا النهج.

والرهانات الاجتماعية والاقتصادية تجعل من غير المجدي الانكفاء على البعد الوطني الداخلي وحده، بل ينبغي التأكيد على ضرورة استكمال البناء الأوروبي. لكن هذا لن يكون ممكنا إذا لم تقطع سياسات الاتحاد الأوروبي مع المنطق السائد الذي يقود إلى الكارثة.

وهناك أمر آخر لا بدّ منه وهو أن يرفض المسؤولون السياسيون التخلّي عن دورهم لصالح مفوضية أوروبية غير منتخبة تتجرأ على الزعم بحقها في الرقابة على ميزانية كل دولة وحتى قبل برلماناتها الوطنية المنتخبة ديمقراطيا. باختصار من الملحّ والحاسم تغيير النهج كلّه في أقرب أجل ممكن.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية - باريس