تركيا تتصدر الصحف والتقارير العالمية وغيرها. كانت ضربة معلم بحق. سواء كانت محسوبة بدقة أم جاءت عفوية. المهم أنها فعلت ما لم تفعله كل وسائل الإعلام العربية على مدى عقود من الزمن. وكلنا نعلم بأنه ليس شرطا أن تنجح العمليات المخطط لها بشكل جيد مسبقا، وليس شرطا أن تفشل عمليات لم يسبقها أي تخطيط. المسألة تتلخص في (اغتنام) الفرص عندما تكون بين يدينا.
منذ ضربة المعلم الأخيرة التي تلقتها إسرائيل على يد تركيا، وهذه الأخيرة لم تفتأ تشغل حيزا من فراغ المنطقة. هذا الفراغ بدأ منذ انحسار الدور العربي بشكل عام، إن دور القائد على مستوى المنطقة يتطلب توافر عدة عناصر تلعب دورا كبيرا في الاعتراف به ولو ضمنيا كقائد، منها قدرته على اتخاذ القرارات الصعبة بالقدر الذي يتطلب توافر الإمكانيات المادية والمعنوية لتنفيذ هذه القرارات، وهذا الأمر يتطلب قاعدة اقتصادية قوية ومتينة تدعم القرارات.
كما إن العنصر البشري والجغرافي والتاريخي والخبرة كلها تلعب دورا كبيرا في الاعتراف بقيادته. بمعنى آخر، يتطلب من الدولة التي تطمح أن تكون قائدة للمنطقة تماما ما يتطلب من إمكانيات وصفات قائد المعركة.
وتركيا أصبحت تملك معظم تلك المقومات. إضافة إلى اعتماد الدول الغربية عليها كوسيط بين الشرق والغرب. وقد كانت للغرب تجربة سابقة في التعامل مع تركيا كوسيط مهم خاصة فيما تعلق بتحرير الأسرى بين إسرائيل ولبنان، ثم فيما تعلق بملف إيران النووي، ومحاولتها إقناع سوريا بالدخول في حوار سلام مع إسرائيل. وكان لتحركات تركيا في السابق هدف محدد يتمثل في إقناع دول الاتحاد الأوروبي لقبولها عضوا فيه.
غير أن تلك الدول لعدة اعتبارات وعلى رأسها كون تركيا دولة إسلامية، وخوفاً من توسع المد الإسلامي في أوروبا، أصبح قبول تركيا فيه أمرا غير قابل للنقاش. هذا الرفض المستمر لها أجبر تركيا على التحرك نحو الشرق.
وكأنها تقول للاتحاد الأوروبي إذا كان الأمر كذلك، فدعونا نلعبها إذاً بطريقة أخرى. غير أن تركيا لم تجد في الشرق تجمعا يضاهي تجمع الاتحاد الأوروبي في زمن ألغيت فيه مفردات الكيانات الصغيرة. فكان لا بد من خلق شيء ما. فوجدت أن الإمكانيات متوفرة، والفكرة موجودة ولكن لا يوجد من يقوم بتنفيذها في خضم الفوضى في منطقة الشرق الأوسط. فهناك دول تحاول أن تلعب دوراً لكنها مقصوصة الأجنحة. واستدعى الأمر تجميع هؤلاء على خط واحد.
وكان لا بد من دور القائد. وكان لا بد أيضا من اعتراف القاعدة الشعبية بدوره كقائد. فدرست جيدا عقلية شعوب المنطقة التي وصل بها الإحباط درجة اليأس من جمود أنظمتها أمام غطرسة العدو الصهيوني. واكتشفت أن الشعارات الطنانة والرنانة التي لا تتعدى أبواق وسائل الإعلام وسعت الهوة بين الحكام العرب ومحكوميهم. فأصبح أمرا أوليا كسب هذه القاعدة.
وكسبها لن يتحقق إلا بضربة مدوية على وجه هذا العدو. وربما استفادت تركيا على عدة أصعدة، شعبية وعسكرية ونفسية، من التجربة التي خاضها حزب الله في الحرب الأخيرة مع إسرائيل. وحيث ان عقدة شعوب المنطقة هي إسرائيل، فلم يكن أمامها سوى توجيه الضربة إلى هناك حيث موضع الألم. وبالفعل أصيبت إسرائيل وحكومتها بركلة موجعة في خاصرتها: غزة.
العملية نجحت وأكسبت تركيا شعبية خاصة من قبل شعوب المنطقة، خاصة بعد أن وقف العالم بأسره ضد العنف الإسرائيلي، وبعد أن استدعت العديد من دول العالم سفراء إسرائيل لديها لتبلغهم احتجاجها على ردة فعلها الدموية تجاه سفن مسالمة، وبعد أن اكتشف العديد من شعوب العالم أن هناك شعبا أعزل يموت جوعا وعطشا في بقعة من الأرض يطلق عليها «غزة» محاصرا من قبل دولة طالما فاضت دموعها أنهارا على ضحايا النازية بينما هي تمارس خلف الجدارن الفاصلة نفس الأسلوب مع الفلسطينيين.
وهكذا بدأت معظم شعوب المنطقة تلتف بشكل إلى حول قائدها الجديد ولم تعد تعير حكامها ولا أنظمتها أي اعتبار. وحاولت بعض الصحف ووسائل الإعلام المدفوعة الثمن التدخل لوقف التقدم التركي.
فتحدثت مرة يمنة ومرة يسرة عن مخططات تركيا لإعادة هيمنة الدولة العثمانية بعد أن فشلت في إقناع الاتحاد الأوروبي بقبولها عضوا فيه. تماما كما حولت نفس تلك الصحف انتصار حزب الله في تصديه لإسرائيل إلى فشل وكارثة على لبنان.
غير أن ملل الشارع العربي والإسلامي من غياب القيادة الفعلية لم تسلمه إلى سماع تلك التحليلات المغرضة. فالشارع العربي والإسلامي أصبح يقر بأنه أيا كان هدف تركيا، سواء للرد على رفض الاتحاد الأوروبي أو إعادة هيمنة الدولة العثمانية، فإننا اليوم في أمس الحاجة إلى دولة تنتهج الإسلام وتنقذ هيبة المسلمين، وتعيد الاعتبار إلى الشعب الفلسطيني الذي ترك أمام أنظار العالم فريسة سهلة لأطماع إسرائيل التوسعية والدموية على مدى عقود من الزمن دون أن نحرك ساكنا اللهم إلا أفواهنا وأقلامنا.
لا نعرف ماذا يدور اليوم في مخيلة تركيا. هل ستضرب من جديد ضربة أخرى لتثبت جديتها، أم أنها ستكتفي بما قامت به لتثبت حسن نيتها من أسطول الحرية؟ أم أنها ستغتنم الفرصة التي وقعت بين أيديها كقائد جديد يخرج من جبال الأناضول ويعبر مضيق البوسفور باتجاه الشرق؟ لا أحد يعرف.. الأيام القادمة ستثبت ذلك.
جامعة الإمارات