مضى حوالي ربع قرن على كارثة بوبال البيئية التي تسببت بها شركة يونيون كاربايد الأميركية عام 1984، تلك الشركة التي كانت تقوم بالصناعات الكيميائية في بوبال بالهند لإنتاج المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية للقضاء على الآفات الزراعية.
حيث تسبب الإهمال بتسرب غاز الميثايل ايزو ساينت، مما اودى بحياة اكثر من 15 الف مواطن هندي وإصابة أكثر من نصف مليون آخرين جراء هذه الكارثة. عرضت القضية على المحاكم الهندية.
تلك القضية التي طالبت الحكومة الهندية على اثرها من شركة يونيون كاربايد بتعويضات بحوالي ثلاثة ونصف مليار، إلا ان ما تم الاتفاق عليه خارج المحاكم عام 1989 هو التعويض بـ 470 مليون دولار والتي حصلت أسر الضحايا على جزء منه، حيث قدم 1000 دولار لمن قضوا نحبهم بالكارثة و500 دولار لكل شخص تعرض للإصابة.
الآن وبعد 26 عاما تسدل المحكمة الهندية الستار على هذه القضية بالحكم الذي صدر، اذ حكم على 8 مديرين تنفيذيين سابقين في شركة يونيون كاربايد بالسجن لمدة عامين بتهمة الإهمال الذي سبب بكارثة بوبال البيئية. وبالنظر لحجم الضحايا بهذه الكارثة التي تعتبر من أسوأ الكوارث الصناعية في العالم، يتبادر إلى الذهن مقارنات كثيرة.
فحيث ان الحكم القضائي صدر بحق عدد من المسؤولين ولم يصدر حكم بحق المتهم الاميركي رئيس الشركة آنذاك آندرسن ولم يجلب إلى العدالة. وبحسب تصريحات بلاك مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون جنوب آسيا عندما سئل، «ان الولايات المتحدة ليس من تقاليدها بحث تسليم المتهمين للدول الأخرى»، وجاء في نفس السياق تصريح الرئيس أوباما الذي عبر عن أمله بأن لا تنعكس هذه القضية سلبا على العلاقات الأميركية الهندية.
وهنا نقول ما اشبه الليلة بالبارحة، فحيث تفرض المقارنة نفسها بشأن كارثة بوبال التي ذهب ضحيتها اكثر من 15 الفا، مقارنة مع من فقدوا ارواحهم جراء التلوث النفطي في خليج المكسيك حاليا والذي ذهب ضحيته 11 شخصا فقط بسبب انفجار في احد الآبار في الحقل النفطي الذي تملكه شركة برتش بتروليوم، فهل سيتم التعامل بنفس المعيار في القضيتين؟.
والاجابة أنه إذا كانت هناك ازدواجية في المعايير. فيكفي ان تلاحظ ان التعويض في تلوث خليج المكسيك عشرون مليارا مقارنة بثلاثة ونصف مليارات بتلوث بوبال.
وتجري النقاشات في البرلمان الهندي حاليا حول اصدار قانون جديد لمواجهة مثل هذه الكوارث، بما فيها الكوارث النووية، خاصة انه لم تغب عن البال بعد كارثة تشيرنوبيل النووية.
ويتضح من خلال هذه النقاشات أهمية أن يحدد القانون ما هي الالتزامات تجاه المواطنين المتضررين وماذا ينبغي أن يكون حجم التعويضات للضحايا، إذ بلغت بعض المقارنات حد انتقاد التعامل مع ضحايا الكوارث بمكيالين من منطقة إلى أخرى، ففي الوقت الذي نرى في حالة ضحايا حادثة انفجار طائرة البانام الأميركية التي سقطت في لوكربي بالمملكة المتحدة عام 1988 انه تم تعويض اسر هؤلاء الضحايا بالملايين فإن تعويض ضحايا بوبال يتم بالملاليم، فهل في ذلك العدالة المرجوة؟
ان من المقارنات التي تبرز امامنا بإلحاح تأخر العدالة في اصدار حكمها، حيث ان الحكم القضائي في كارثة بوبال يأتي اليوم بعد 26 عاما، كما شاهدنا قبل ايام فقط صدور الحكم النهائي بشأن حادثة الأحد الدامي في ايرلندا الشمالية التي حصلت عام 1972، فهل تأخير البت في الضحايا البشرية لعقود من الزمن هو من منطلق ان الحقوق قد تسقط بالتقادم؟.
ومن هنا تأتي أهمية استخلاص الدروس من تأخير الحكم بحق من تسببوا بكارثة بوبال، حيث صرح وزير البيئة الهندي جيرام راميش أن الهند ستقيم محاكم خاصة لسرعة البت في مثل هذه القضايا وحتى لا تستغرق اكثر من ربع قرن كما حصل من هذه التجربة وستقام محاكم هندية خاصة بالبيئة، وستنشأ أولاها في مدينة بوبال نفسها.
واليوم ما زالت مأساة بوبال البيئية مستمرة. ويشير العلماء ان المواد الكيميائية التي تسربت جزء منها إلى المياه الجوفية ستظل تهدد البيئة. ولذلك كان هناك تصريح آخر للوزير الهندي راميش بأنه إلى جانب انشاء المحاكم الخاصة بالبيئة ستنشئ الحكومة الهندية سلطة متخصصة لحماية البيئة ولمراقبة التلوث من جراء التطور في الحياة العصرية وما يستهلكه البشر من موارد طبيعية وما يصدر عنها من عوادم تهدد البيئة.
والتجربة تؤكد اهمية ذلك، اذ ان جشع الشركات المتعددة الجنسية يجعلها تركز على جني مزيد من الارباح في نشاطاتها الاقتصادية دون ان ترصد جزءا منها لتجنب الكوارث المحتملة مما يكلف البشر والبيئة المحيطة كثيرا من الآثار الضارة عند الكوارث.
كما أن النقاشات في البرلمان الهندي وفي الاوساط المعنية تؤكد على اهمية اصدار قوانين جديدة تحد من امكانية ان يتهرب المسؤولون الذين يرتكبون الأخطاء بحق البشر والبيئة المحيطة.
وتبرز الحاجة إلى ان تطالب الدول الصناعية والشركات متعددة الجنسيات التي تنشط بمجال الاستثمار في الدول النامية، بأن تساعد هذه الدول من خلال تقديم التكنولوجيا لتأمين المنشآت من المخاطر الكيميائية والبيولوجية جراء انشطتها الصناعية أو في استخراج الثروات الطبيعية، والتي في حال عدم الاحتياط للكوارث قد تهدد المجتمعات وتلحق الضرر بالبشر والبيئة.
كما ان مثل هذه التدابير الحمائية من شأنها أن تساعد في أن لا يتم استخدام المنشآت الكيميائية والبيولوجية من قبل عناصر في اعمال ارهابية.
ويبقى السؤال بعد عقود من الزمن على كارثة بوبال البيئية ومثيلاتها، هل العدالة عمياء؟
كاتب يمني