دعا الرئيس أوباما الكونغرس قبل أيام، إلى تمرير مشروع قانون إعانات بقيمة 50 مليار دولار، لمساعدة الولايات في اتخاذ إجراءات للحيلولة دون تسريح 300 ألف موظف من سلك التدريس والشرطة والإطفاء وغيرها. ورغم ذلك، فإن آفاق نجاح هذا القانون ليست كبيرة، إذ يبدو أن صقور عجز الميزانية هم من يحكمون الكونغرس هذه الأيام.

لكن كيف يستقيم هذا؟ يتوقع أحدث تقرير من الباحثين في مشاريع غولدمان ساكس، أن ترتفع معدلات البطالة إلى 9,9% في عام 2011، لتنخفض بعد ذلك قليلاً إلى 7,9% بحلول نهاية العام.

وهذا يعني وجود أكثر من عشرين مليون أميركي عاطل عن العمل، من بينهم واحد من بين كل ثلاثة شبان أميركيين أفارقة. ويعني أيضاً أن البطالة طويلة الأمد، التي وصلت الآن إلى مستويات قياسية، سوف تستمر في التفاقم. لقد ورث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن سلفه، اقتصاداً منهاراً يفقد 750 ألف وظيفة كل شهر.

ثم نجحت خطته للإنعاش الاقتصادي في وقف الانهيار وتنشيط الاقتصاد، بحيث بدأ في إعادة النمو وإيجاد فرص العمل الجديدة. لكن الفجوة كانت أكبر بكثير مما اعتقد خبراء الاقتصاد، ولا تزال أمامنا أشواط كبيرة يجب أن نقطعها لكي نتمكن من الخروج من تلك الحفرة.

ويقدر الاقتصاديون أن الأمر يتطلب توليد حوالي نصف مليون وظيفة جديدة كل شهر لثلاث سنوات متتالية، حتى نعود إلى مستويات البطالة التي كانت قائمة قبل الركود.

وحتى تلك المستويات لم تكن رائعة، لأن معدلات أجور العمال كانت آخذة في الانخفاض حتى قبل الركود. وعلاوة على ذلك، فإن الأمور تزداد تعقيداً الآن. فالمصارف لا تزال تحجم عن الإقراض إلا على نطاق محدود جداً، وحكومات الولايات والمدن الأميركية تواجه عجزا متزايدا في الميزانية، بينما تكاد تنفد أموال برامج الإنعاش الاقتصادي.

وأوروبا تحولت الآن إلى سياسة التقشف الكامل، في أعقاب أزمة اليورو. والشهر الماضي، لم يولد القطاع الاقتصادي الخاص في الولايات المتحدة سوى 41 ألف فرصة عمل إضافية في المحصلة.

والاقتصاد العام للبلد تلقى دفعة لا بأس بها بفضل ال400 ألف فرصة عمل، التي ستتبخر قريباً بحسب التوقعات. ورغم كل الخوف الهستيري من العجز المالي، فإن هذه الفترة تعتبر الفترة المثالية للاقتراض والاستثمار.

فمعدلات الفائدة متدنية، وليست هناك أية مؤشرات للتضخم، ولا طاقة إنتاجية خاصة ضخمة غير مستخدمة، أو رؤوس أموال خاصة كبيرة غير مستثمرة.

وبدلاً من إخراج رأس المال الخاص، يمكن للاستثمارات العامة الآن اجتذاب رؤوس الأموال الخاصة إلى الداخل. ويجادل الاقتصاديون من أمثال براد ديلونغ، بأن هذا هو الوقت المناسب لقيام الولايات المتحدة بالاقتراض على المدى البعيد، وتأسيس بنك استثماري لتحديث بنيتنا التحتية وتجنيد رؤوس الأموال الخاصة لإعادة بناء أميركا.

لكن هذه ليست مسألة اقتصادية فقط، بل مسألة أخلاقية أيضاً. فهل ستكيف الولايات المتحدة نفسها مع البطالة الجماعية على المدى البعيد؟ أم أننا سنعقد العزم على إعادة الناس إلى العمل بشتى السبل الممكنة، وسنكيف الاقتصاد ليتمكن من الوفاء بهذا الالتزام؟ إنه خيار أخلاقي.

فالبطالة الجماعية طويلة الأمد تضع المتأثرين بها تحت ضغوط نفسية واجتماعية جسيمة، تؤدي في المحصلة إلى ارتفاع معدلات الطلاق والاكتئاب وتعاطي المخدرات، وحتى الانتحار.

كما أن ذلك يؤدي إلى تقويض الطبقة الوسطى العريضة، ويخلق مجتمعاً يسوده الانقسام والانفصال والظلم الاجتماعي، ويزداد فيه غضب الطبقة الوسطى إلى درجة الغليان. وفي المقابل فإن الالتزام بالعمل من أجل تحقيق هدف العمالة الكاملة، يضمن ارتفاع الأجور، ويجبر الشركات على رفع كفاءتها وتحفيز الإبداع وإيجاد أسواق عمومية ضخمة، لا أسواق نخبوية صغيرة.

اليمين الضاري لا يفهم هذا. فهم يرون في العمالة الكاملة تهديداً بارتفاع الأجور وتمكين العمال وارتفاع الطلب والأسعار، وهم يضعون خيار خفض الإنفاق والضرائب أولاً، مع أنه في ظل استمرار إحجام الأعمال عن الاستثمار، قد يؤدي خفض الإنفاق إلى تفاقم الأمور وازدياد البطالة والبؤس. والآن توقف كل التقدم في الكونغرس.

فمجلس النواب لا يزال يحجم عن طرح مشروع قانون إعانات بقيمة 100 مليار دولار، لإعادة الناس إلى العمل للتصويت. كما أن مقترح إقرار 23 مليار دولار بشكل طارئ لإنقاذ وظائف 300 ألف مدرس، لا يزال عالقاً في دهاليز مجلس الشيوخ.

وكذلك الأمر بالنسبة لمشروع قانون بقيمة مليار دولار لتوليد وظائف صيفية، الذي لا يزال عالقاً في الكونغرس رغم أننا على مشارف نهاية يونيو. ولذلك فإن العديد من المنظمات الأهلية الكبيرة، تخطط الآن لتنظيم مسيرة حاشدة في واشنطن في أكتوبر المقبل، للمطالبة بتوفير فرص عمل.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية

opinion@albayan.ae