لا شك أن انفجار أعمال العنف في جنوب قرغيزيا مرة أخرى، أثار تساؤلات عميقة حول آفاق وسبل تسوية أزمة هذه الجمهورية الآسيوية الفقيرة. وقد كشفت أعمال العنف في إقليم أوشا وجلال أباد، عن تنامٍ كبير في النزعة القومية من جانب القرغيز، موجه ضد الأوزبك بالدرجة الأولى، وبقية القوميات القاطنة في جنوب البلاد بشكل عام.

أحداث جنوب قرغيزيا اسفرت، حسب بيانات الحكومة الانتقالية، عن مئات القتلى والمصابين، قدرتهم مصادر غير رسمية بأكثر من 700 قتيل، انتشرت جثثهم في شوارع أوشا وجلال أباد. ما دفع عشرات الآلاف من الأوزبك إلى مغادرة منازلهم والنزوح إلى وطنهم الأصلي أوزبكستان.

اللافت أن حكومة أوزبكستان أغلقت الحدود، بعد أن دخل إلى أراضيها حوالي 80 ألف لاجئ، ما طرح تساؤلات حول رفض طشقند استقبال أبناء قوميتها في محنتهم.

وأصبحت الأوضاع في جنوب قرغيزيا موضع خلاف كبير بينها وبين أوزبكستان. ويمكن تفسير هذا الموقف وإصرار حكومة أوزبكستان على إرسال قوات تدخل سريع من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، والتي كانت حكومة طشقند تعارض تأسيسها، بخوف نظام الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، من امتداد الحركة الاحتجاجية إلى بلاده، لأن الأوزبك في قرغيزيا تعودوا على الحرية، وهذا الوضع غير متوفر في أوزبكستان. لذا تنظر الحكومة في طشقند إليهم بعين الخوف والحذر، وهو ما دفعها إلى إغلاق الحدود.

ويمكن القول إن المستفيد الوحيد من أحداث قرغيزيا هو الرئيس السابق المخلوع كرمان باكييف والموالون له، فهم أكثر من استفاد من الفساد الذي تزامن مع حكم باكييف، ومن عدم الاستقرار الذي يثبت عدم أهلية الحكومة الجديدة. ومن غير المستبعد أن تكون العناصر الموالية لباكييف، قد سعت إلى تفجير هذه الأحداث مستغلة النزعة القومية، بهدف إسقاط الحكومة الانتقالية.

ولكن يبقى السؤال الأكثر أهمية، وهو ما يتعلق بدور الدول المجاورة ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والتي مع تصاعد الأحداث، فشلت في اتخاذ أي قرار لدعم الحكومة الانتقالية وإنقاذ قرغيزيا من دوامة العنف والفوضى. وبدا واضحا أن هذا الإطار الإقليمي كان عاجزا عن حماية مصالح أعضائه.

فبعد مرور عدة أيام على انفجار أعمال العنف في أوشا وجلال أباد، اجتمع ممثلو مجالس الأمن القومي للدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وفيما كانت أوزبكستان تصر على ضرورة التدخل عسكريا لإنهاء أعمال العنف التي باتت تهدد أمنها، دعت روسيا للتريث، بينما رفضت كازاخستان التدخل عسكريا واعتبرت أن ما يحدث في قرغيزيا شأن داخلي.

ثم توصل ممثلو مجالس الأمن القومي إلى تسوية في شكل خطة لدعم حكومة قرغيزيا الانتقالية، تتضمن تقديم مروحية ومساعدات إنسانية وبعض المعدات العسكرية، ولم يبدأ تنفيذ هذه الخطة إلا بعد أن صادق عليها رؤساء الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

وتعبر هذه القرارات عن فشل المنظمة في القيام بدورها الأساسي، وهو حماية أمن الدول الأعضاء من مخاطر الإرهاب والفوضى، وكافة التهديدات التي تؤثر على سيادة هذه الدول.

واذا كانت روسيا قد ترددت لوهلة في ارسال قواتها، ما عكسه رد الكرملين على طلب روزا اتونبايفا رئيسة الحكومة المؤقتة إلى روسيا بإرسال قوات حفظ سلام، فإن كازاخستان أرادت أن تغلق الباب تماما أمام أي سابقة تسمح لدول أخرى بأن تتدخل عسكريا في ظل اضطراب الأوضاع الداخلية، حتى لا يتكرر ذلك في حال تحركات شعبية احتجاجية تقع في أي دولة تهدد بإسقاط الحكومة فيها.

غير أن تردد موسكو لم يستغرق فترة طويلة، لأن ما يحدث يتعارض مع مصلحة روسيا، إذ إن حالة الفوضى الناجمة عن أعمال العنف في جنوب قرغيزيا، يمكن أن تتوسع وتمتد لأقاليم أخرى في وسط آسيا، وتشكل حالة مثالية للجماعات الإرهابية كي تباشر عملياتها وتحركاتها.

لذا من غير المنطقي تحميل روسيا مسؤولية اضطرابات الإقليم، لأن مصالحها تتطلب بالدرجة الأولى حالة من الأمن والاستقرار، بصرف النظر عن أية خلفيات سياسية.

خلاصة القول إن ما يحدث في قرغيزيا يعد اختبارا صعبا لروسيا، وامتحانا لقدراتها على حفظ الأمن في جوارها السوفييتي السابق.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru