لم يخطر في بال أحد ممن يتابعون الشأن العراقي، أن يصل العراق إلى ما وصل إليه من دمار وخراب وضياع، فهو يرزح تحت احتلال أميركي وإيراني في آن واحد، تخترق حدوده في الشمال وفي الشرق براً وجواً، وتقصف قراه ويشرد قاطنوها، دون أن تجرؤ الحكومة على الدفاع أو حتى استنكار ذلك، وتستهدف رموز سيادته في وضح النهار، وتقف أجهزته الأمنية رغم ضخامتها عاجزة أمام ذلك!
دخل العراق عالم الديمقراطية، بخيار أميركي، من خلال بوابة واسعة، وبزخم لم تشهده دولة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، إلى درجة تداعت فيها الأعراف الديمقراطية إلى حد كبير.
فقد شهدت العملية السياسية على مدى الأعوام السبعة المنصرمة أجواء مزادات سياسية، استخدم فيها ما هو مشروع في السياقات الديمقراطية وما هو مرفوض فيها.
صنع الناخب مؤسسات الدولة الرئيسية (رئاسة الدولة ورئاسة الوزارة ورئاسة البرلمان) في العملية الانتخابية التي جرت عام 2005، مدفوعاً بأمل أن يعمل من قام بانتخابه على تلبية حاجاته الأساسية في العيش الكريم.
إلا أنه سرعان ما وجد أن ما كان يسعى للحصول عليه من حقوق أساسية، قد أصبح أكثر بعداً من ذي قبل. فالنخب السياسية التي تقطن المنطقة الخضراء، لم تجد في أصوات الناخبين غير سجادة حمراء تفرش أمامها، للدخول إلى هذه المنطقة والتمتع بما تقدمه من خدمات وامتيازات استثنائية، تنسي ساكنيها ما يجري في أحياء المدن والريف العراقي من قصص تدمي القلوب وتبكي عيون أشد الناس قسوة.
والآن، وبعد مرور ما يقرب من أربعة أشهر على الانتخابات النيابية الأخيرة، يشهد العراق فراغاً سياسيأً خطيراً، فقد عقد مجلس النواب المنتخب جلسة شكلية لأداء اليمين ولتبقى مفتوحة إلى أجل غير مسمى، فالنخب السياسية تتصارع على مراكز النفوذ في الوقت الذي تتفاقم فيه مشاكل الناس.
هذه النخب هي المسؤولة عن تردي الأوضاع، إلى الحد الذي ينذر بانفجار يصعب التعرف إلى مدياته وعواقبه، فهي مشغولة في الصراعات على إشغال المناصب، وبدل أن تتقن التعامل مع المشاكل التي تعكر صفو الحياة اليومية للمواطن العراقي، كما هو الحال في الفضاءات الديمقراطية، أصبحت تتقن فنون المساومات مع بعضها البعض، في حين يتضور الملايين من بؤس البطالة وشح المياه والكهرباء، وهو يشاهدون ثراء المفسدين وذوي النفوذ السياسي.
أسهمت حرارة الصيف في إيصال التذمر في أوساط الشعب إلى حدوده القصوى، خاصة وأن وزارة الكهرباء قد مثلت نموذجاً بارزاً لفشل الحكومة في قطاع الخدمات.
فالوثائق الرسمية تشير إلى ضخ سبعة عشر مليار دولار في قطاع الكهرباء على مدى السنوات السبع المنصرمة، إلا أن المواطن بدل أن يشهد تحسناً وزيادة في عدد ساعات حصوله على التيار الكهربائي، وجد عكس ذلك. فقد أصبحت حصته من الكهرباء أربع ساعات فقط في اليوم، في هذا الصيف شديد الحرارة.
وهكذا انطلقت شرارة الغضب، بعد أن وصل الغليان الشعبي حد الانفجار في مدينة البصرة الأكثر ثراء والأكثر فقراً في الخدمات، حيث خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع المدينة في التاسع عشر من يونيو الجاري، في مسيرة احتجاجية تحمل لافتة كتب عليها «اليوم نتظاهر وغداً نعتصم وبعده سنثور». قام المتظاهرون خلال تظاهرتهم برشق مبنى مجلس المحافظة بالحجارة، وقامت الأجهزة الأمنية بإطلاق الرصاص عليهم مما تسبب في مقتل اثنين وجرح آخرين.
كما اندلعت بعد ذلك بيومين تظاهرات عنيفة في مدينة الناصرية، وبعدها في كربلاء، ثم امتدت غرباً إلى مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، وجرت اعتصامات في مدن أخرى وفي بعض مناطق العاصمة.. هذا في الوقت الذي يستمر فيه الصحافيون في اعتصامهم في بغداد، احتجاجاً على سوء الأوضاع.
ونشرت الحكومة أعدادا كبيرة من قواتها الأمنية، لمنع التظاهرات في مدن أخرى، ورفضت منح ترخيص للتظاهر في بعض المحافظات، مع أن الدستور يضمن للمواطن حق الاحتجاج بشتى الوسائل ومن ضمنها التظاهرات السلمية.
هذه التظاهرات ليست عفوية كما يتصور البعض، ففي هذه الأجواء المتشنجة بين النخب السياسية، التي يخوض فيها الكبار صراعاً للحصول على رئاسة الوزارة، المنصب التنفيذي الأكثر أهمية في العراق، لنا أن نتساءل من هو المستفيد منها؟
المستفيد من تداعي الأوضاع إلى هذه الدرجة هم المنافسون لرئيس الوزراء على منصبه، ولكن بدرجات متفاوتة، إذ إن بعضهم جزء من المؤسسة الحاكمة. أما المتضرر الأكبر فهو رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي وحزب الدعوة الذي يتزعمه، فالتظاهرات قد استهدفت الحكومة وأدانت أداءها، كما أدانت أداء مجالس المحافظات التي تغلب عليها سيطرة حزب الدعوة.
وفي خضم هذه الأحداث المثيرة، يبرز مجلس عشائر الجنوب ليعلن نفسه قائداً لهذه الجماهير وموجهاً لها، وهذا تطور جديد ومهم في الساحة السياسية العراقية، مما يعني أن شيوخ العشائر ووجوه المجتمع، الذين حرص من هم في الحكم على تطمين مصالحهم ليكسبوا ولاءهم، قد سحبوا تلك الولاءات وغيروا مواقفهم ليصبحوا لاعبين في الشارع السياسي العراقي، وليسوا مجرد موالين تقليديين للحكومة.
فقد أعلن هذا المجلس أن هذه «الانتفاضة»، وهي التسمية التي أطلقها هذا المجلس على التظاهرات، سوف تستمر إلى أن توفر الحكومة الخدمات المفقودة.
رسالة الشارع هذه جاءت متأخرة كثيراً، إذ كان على الجمهور أن يتحرك منذ سنين، ويتخلص من أفيون الطائفية الذي حصد زارعوه المال والجاه والنفوذ، ولم يحصد هو غير البؤس والشقاء.
إلا أن هذه الرسالة، رغم ذلك، مفيدة وفاعلة، فهي رسالة استباقية قوية للحكومة المقبلة، التي عليها أن تدرك أن شل مجلس النواب وإعاقته عن أداء وظيفته الرقابية، كما حصل على مدى السنوات الأربع المنصرمة، لا يكفي لاطمئنانها على وضعها.
كرة الجليد تضرب مثلاً على الحدث الذي يتضخم مع الوقت، لأنها حين تتدحرج يتجمع حولها المزيد من الجليد فيكبر حجمها. لكن أجواء العراق الساخنة جداً، على مختلف الصُعد، لا تسمح بالحديث عن كرة جليد وإنما عن كرة لهب، وهي أيضاً تزداد اشتعالاً حين تتدحرج في الهشيم.
مدينة البصرة الواقعة في أقصى الجنوب العراقي، صنعت بدماء أبنائها كرة اللهب وقذفتها شمالاً.
كاتب عراقي
