جميل أن يتعلم الإنسان في كل يوم شيئاً جديداً، لكن الأجمل أن يكون هذا الشيء الذي يتعلمه جميلًا في حد ذاته، كي ينعكس جماله الذاتي على جمال التجربة التي جعلتنا نكتسبه، ويمنحها بعداً مختلفاً يميزها عن التجارب الأخرى التي يمر بها الإنسان بين حين وآخر.
لكننا للأسف نمر كثيراً بتجارب نتعلم منها شيئاً واحداً يتعزز يوماً بعد يوم، وهو عدم الثقة بالآخرين، أو عدم الاستسلام للعواطف الإيجابية التي توجهنا لأن نتعامل مع من حولنا، بمكارم أخلاقنا التي نشأنا عليها بحكم الدين والعادات والتقاليد والتربية السليمة.
فهذه الأخلاق قد أصبحت إرثاً من الماضي، والمتمسك بها قولا وعملا، أشبه بأصحاب الكهف الذين وجدوا أنفسهم في صحوة عين في زمن غير زمانهم، وإن كان المكان مكانهم.. وهذا هو حال بعضنا اليوم.
إنه لأمر مؤسف أن نردد يوماً بعد آخر بين أنفسنا عبارات من مثل: «لن أتعامل بهذه الطيبة مع أحد بعد اليوم»، أو «لن أثق بهذا الشخص ولا بغيره أبداً»، أو «من الغباء أن أتوقع أن يلتزم الجميع بالموعد..
فلماذا أصل مبكراً»، أو أن نتبادل بيننا وبين الآخرين نصائح من مثل: «الطيبة تعني السذاجة اليوم، فلا تكن ساذجاً»، أو «إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب»، أو «عن أي أخلاق تتحدث.. نحن في زمن اللا أخلاق»، وغيرها من هذه العبارات التي أصبحت عادية جداً من كثرة ما ترددت وفقدت ذلك التأثير الذي يحدث ما يشبه الصدمة لدى من يسمعها لأول مرة، إن كان ممن يتأثر بالكلمة ويدرك معناها جيدا.
إن هذه العبارات التي تنتقل بشكل شبه طبيعي من لسان إلى أذن ومن أذن إلى لسان آخر.. وهكذا، من شأنها أن تهدم بنيان الأخلاق عندنا ونحن في غفلة عن ذلك، هذا إن لم يكن قد تهدم بالفعل ولو جزئيا على الأقل، ومن الممكن أن تقوّض الصرح الذي كان يحرص آباؤنا وأجدادنا على بنائه لبنة لبنة، كي تقام الدول وتكبر المجتمعات على أساس من أخلاق متينة، انطلاقا من مقولة أن الأمم هي الأخلاق. أما ما يحدث الآن من ضياع لأهم أسس وركائز الأخلاق، فلا يمكن أن يبشر بخير على أي مستوى من المستويات.
المشكلة أن المتمسك بالأخلاق القويمة الآن على مستوى التعاملات الاجتماعية اليومية مثلا، أصبح بالفعل موضع استخفاف من الآخرين الذين يرونه شخصية تاريخية فارّة من زمنها الماضي، وتعيش بالخطأ في زمننا هذا، أي أنه هو الخطأ والآخرون المخالفون له هم الصواب!
وهناك أمثلة كثيرة لو بدأنا بعدّها لا يمكننا أن ننتهي منها سريعاً، لكني سأذكر فقط عدداً منها: فالالتزام بالمواعيد لم يعد قيمة يحرص عليها أي شخص، مهما كانت درجة التزامه الديني على سبيل المثال..
وكذلك الأمر بالنسبة لخصلة الصدق، فما أسهل جريان الكذب على ألسنتنا، وما أعجبنا بأنفسنا ونحن ننجو من موقف محرج مثلا بكذبة محكمة لا نعرف كيف خطرت على أذهاننا في اللحظة المناسبة، فمن يبالي الآن بأن يعرفه الناس بالصدق ويحرص على إلا يوصف بالكذب أبداً؟
ومن منا لا يكون الكذب أول مخرج يفكر فيه حين يجد نفسه في موقف صعب ويعلم أنه سيزداد صعوبة لو كان صادقاً؟! هذه أمثلة بسيطة، وتوجد أمور أخرى كثيرة يظهر فيها ابتعادنا عن الخط المستقيم الذي يمثل مكارم الأخلاق، ولا يتسع المجال للتوسع فيها، كسوء استغلال المناصب، وسوء استغلال العلاقات الشخصية، والتعالي على الآخرين، و«استعباد» البعض للبعض بمبررات عجيبة غريبة، وخيانة الأمانة التي أصبحت شائعة حتى بين الإخوة والأهل، وليس فقط بين الأباعد من الناس، وغيرها الكثير.
وكما ذكرت في بداية هذه السطور، فإن الأخلاق العامة الشائعة الآن، أصبحت توجه الإنسان لأن يعامل الآخرين بالمثل، دون شعور منه. فأي واحد منا، بمجرد أن يشعر بالظلم واقعاً عليه، يجد نفسه يفكر تلقائيا في كيفية رفع هذا الظلم عنه أولاً، ثم رده بدلا من الصاع اثنين على من أوقعه عليه.
وهو حين يُخدَع مرة سيجد أنه يقوم بممارسة الخداع مرات بعد ذلك، حتى لو كان مؤسسا تأسيساً أخلاقياً محكماً، لأن ما يحدث الآن بين الناس في البيوت والأسواق وأماكن العمل وغيرها، يُفقد العاقل عقله والحليم حلمَه، ولا بد لكل إنسان أن يتأثر بما يحدث حوله بوعي أو دون وعي، وبرغبة أو دون رغبة.
النقطة الأخيرة في هذا الموضوع، هي أننا إذا حصل وأخلف معنا الموعد شخص أجنبي استغربنا كثيراً، تماما كما نستغرب حين يلتزم في موعده معنا أحدُ بني جلدتنا، وهذا ما قد يدفعنا إلى البكاء على أخلاقنا كهديل الحمامة على فقد إلفها.. إلى الأبد.
جامعة الإمارات