بعد إخفاق هيئة الحوار الوطنياللبناني ، في اجتماعها الأخير الأسبوع الماضي، في الوصول إلى أي توافق أو قرار، وإيثار رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بعدم إصدار أي بيان ختامي عن دورة الحوار، والاكتفاء فقط بتعيين موعد الجلسة التالية في أواسط شهر آب/ أغسطس المقبل، انشغلت الأوساط السياسية بنقاش واسع حول مدى جدوى الاستمرار في جلسات الحوار، ما دام الحوار عقيما ولا ينبئ بأنه سيبلغ مرحلة الخواتم السعيدة قريباً.

القائلون بعدم جدوى هذه الصيغة الحوارية التي رسم اطارها اتفاق الدوحة، يوردون سببين رئيسين للمطالبة بتعليق الحوار:

ـ أن مجلس الوزراء يوفر تمثيل كل القوى السياسية الممثلة على طاولة الحوار، وهو بالتالي يستطيع أن يقوم مقام الهيئة، فلا ضرورة لازدواجية في الحوار لا جدوى منها.

ـ أن هيئة الحوار تفتقد آلية تنفيذية للمقررات التي قد تصدر عنها، فلا سبيل إلى تنفيذها الا من خلال مجلس الوزراء صاحب السلطة التنفيذية الوحيد، فلماذا إذن لا يتم الاكتفاء بمجلس الوزراء إطارا وحيداً ودستوريا لبحث المواضيع الوطنية الكبرى!

في المقابل يرى المدافعون عن صيغة هيئة الحوار وأهمية استمرارها، انها تحقق ثلاثة أهداف متكاملة: أولها أنها توفر إطاراً أعلى للحوار بين القيادات الرئيسية التي لا تشارك شخصياً في مجلس الوزراء، بل تتمثل فيه من خلال وزراء محسوبين عليها. وهذا الإطار من شأنه تنفيس أي احتقان طائفي أو مذهبي ومنع انتقاله إلى الشارع، فضلاً عن تطويق أي حادث ذي طبيعة أمنية. والثاني، أنها توجه رسالة مهمة إلى المجتمع العربي والدولي، قوامها ان القيادات اللبنانية عاكفة على مناقشة جميع المواضيع الشائكة، في مناخ من الهدوء والسلم والرغبة في حوار معمق وشامل. اما الثالث، فهو أنها تؤمن مرجعية وطنية شاملة تواكب التطورات الاقليمية التي قد يكون لبنان مقبلا عليها، خصوصا أن الأشهر القليلة المقبلة حافلة بالعناوين الحساسة. منها صدور القرار الظني في المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، المتوقع إعلانه مع نهاية العام الحالي، ومنها اتضاح مصير الاشتباك السياسي الحاد بين إيران والمجتمع الدولي بعد صدور القرار الأممي 1929، ومنها اتضاح مصير الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني والحوار الإسرائيلي ـ الفلسطيني.

وتضيف المراجع السياسية المؤمنة بجدوى الحوار، أن الخريطة السياسية الراهنة في الشرق الأوسط شديدة التعقيد والتشابك، في ظل ثلاثة معطيات باتت مؤكدة:

أولها، أن القرار الدولي بتشديد العقوبات على إيران، يقصد منه دفعها إلى الحوار الجدي حول مستقبل برنامجها النووي، وأنه مرشح للتصاعد إذا لم تستجب إيران لهذه الرسالة التي صدرت باجتماع دولي، بعد انضمام روسيا والصين إلى أصحاب هذا القرار.

ثانيها، أن إسرائيل عاجزة، بإمكانياتها العسكرية الخاصة، عن شن حرب واسعة على إيران ستكون لها تداعيات اقليمية ودولية، وانها في حاجة إلى مشاركة أميركية فعالة حتى تقدم على خطوة بمثل هذا الحجم.

ثالثها، أن واشنطن ما زالت، حتى الساعة، تصر على اتباع أسلوب العقوبات الاقتصادية وتحاشي أي تلويح باللجوء إلى القوة العسكرية، إيماناً منها بأن مسرح الحرب سيتسع فيما لو اندلعت، ليشمل الجزيرة العربية والعراق وأفغانستان.

لجميع هذه الاعتبارات، تدعو هذه القوى السياسية إلى حماية صيغة الحوار اللبناني، ومواكبتها بتنشيط عمل الحكومة التي تشكو الترهل والانفعالية وانعدام المبادرة والسقوط في المراوحة القاتلة.

وتعطي القوى السياسية الداعية إلى خروج الحكومة من حال المراوحة التي تعيشها، نموذجاً على انعدام الرؤية المستقبلية لواحد من أكثر الموضوعات حيوية: موضوع المياه.

فالواقع المائي يقول، بحسب مراكز استشارية للدراسات والتوثيق، إن كمية المياه المتاحة للبنان في عام 2025 تقدر بنحو 1700 مليون متر مكعب، فيما الاحتياجات المستقبلية في ذلك الوقت قد تبلغ 3300 مليون متر مكعب.

وتقول الدراسات الموثوقة إن كمية المياه المتاحة حالياً تبلغ 1200 مليون متر مكعب، فيما الحاجة تصل إلى 1900 مليون، وأن ثمة مشكلة في عدم وجود برنامج أفضليات بالنسبة لاستخدام المياه، بين مياه للشرب ومياه للصناعة ومياه للري، وأن الإشكالية الأساسية تكمن في توضيح وتحديد أية استراتيجية للدولة للسنوات المقبلة: هل تركز على انتاج لبنان الزراعي أم يكون التركيز على القطاع السياحي أم تركز على تحويل لبنان إلى بلد للصناعات الخفيفة؟

هذه الاشكالية عينة من التحديات الاقتصادية والتنموية الكبرى التي تواجه لبنان، والتي لا يبدو أن الحكومة قادرة على مواجهتها، بسبب الشلل التكويني لها.

صحيح ان الوضع الأمني المستتب يمنح اللبنانيين قدرا كبيرا من الارتياح والثقة، وأن تحسن العلاقات السورية اللبنانية يوفر للبنان شبكة أمان سياسية وأمنية، وصحيح كذلك أن بدء توافد المصطافين وتقديرات وزارة السياحة يبشران بمواسم اصطياف ممتازة.. لكن الصحيح أيضاً أن الحكومة كشفت عن عجز كبير، قد يجعل تغييرها أو تعديلها مهمة غير بعيدة.

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae