في مثل هذه الأيام من عام 1980 أصدر الأوروبيون، كجماعة اقتصادية تتلمس على تردد واستحياء طريق السياسة الخارجية المشتركة، بيان البندقية الذي اعترف ضمناً بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وندد بالنشاط الاستيطاني الإسرائيلي، ورفض تغيير وضع القدس من جانب واحد، وطالب بحل عادل لقضية اللاجئين ودعا إلى تسوية سلمية شاملة للصراع الصهيوني العربي تستند لقرارات الأمم المتحدة.
وقتذاك، استبشر الفلسطينيون والعرب بموقف أوروبي موحد واعد منصف لحقوقهم. وعلى الرغم من مطالبتهم الجيران الأوروبيين بمزيد من الخطوات على طريق دور فاعل في عملية التسوية الفلسطينية، إلا إنهم كانوا يدركون الحدود والقيود المحيطة بالدور الأوروبي في ذلك الحين..
اذ كانت الحركة الأوروبية محفوفة بظلال الحرب الباردة الثقيلة، والحاجة للإصطفاف خلف واشنطن قائدة المعسكر الغربي والراعي الأساسي لجهود التسوية في «الشرق الأوسط».
ولم يكن الفلسطينيون ومعهم بعض العرب قد تخلوا عن الكفاح المسلح ولا انضووا تحت جناح هذه الجهود ولا قبلوا بحيثياتها، بما عزز الحجة الأوروبية في حجب الاعتراف بأحانين الفلسطينيين بشكل أكثر انفتاحا.
ثم إن التطور الوحدوي الأوروبي كان غضاً ولم يبلغ بعد طور إشتقاق سياسات خارجية مشفوعة باحتمال التطبيق تجاه القضايا الدولية الساخنة وفي البؤرة منها قضية فلسطين.
خلال العقود الثلاثة المنصرمة منذ إعلان البندقية، جرت تحولات إنقلابية في الخرائط المحددة للحركة الأوروبية على مختلف الصعد: زالت معالم الحرب الباردة وأفل معها المعسكر الاشتراكي وخطره المزعوم الفارض للحماية الأميركية.
وقبل الفلسطينيون بنهج التفاوض على أقل بكثير من حقوقهم التاريخية وتبني العرب على المستويين الوطني والقومي مبادرة للسلام الاستراتيجي مع إسرائيل، وصار للأوروبيين إتحاداً قوياً بعملة واحدة وله مفوضية عليا للسياسة الخارجية الموحدة. ومع ذلك إكتفي هؤلاء بأدوار ومواقف سياسية أقرب إلى زمن البندقية!.
وربما زاد طين هذه المقاربة الواجمة المتلعثمة بلة، أن أصحابها استناموا في المقعد الخلفي لعملية التسوية الفلسطينية، مشدودين إلى صفة الممول الاقتصادي لبعض حصادها. وهو سلوك ظل مثيراً للإستهجان لتعارضه مع فطرة الحركة الدولية وأولياتها، التي تقول بملازمة النفوذ السياسي لأحوال القدرة الاقتصادية.
للإنصاف، شهدت هذه الفترة الممتدة أصواتاً على ضفتي المتوسط العربية والأوروبية، تستنكر هذا التناقض وتأبي أن تبقي أوروبا بكل وزنها التاريخي وخبرتها السياسية وألقها الاقتصادي مجرد طرف ذي جيوب عامرة، يستدعي حين الحاجة للإنفاق على مخرجات لم يشارك في صياغتها أو صناعتها.
من أحدث نماذج فريق الممتعضين إزاء هذه المراوحة البائسة، ما صرح به كريس باتن، وهو مسئول أوروبي سابق بارز، عبر صحيفة الجارديان البريطانية (11/ 6/ 2010)، حول «ضرورة أن يخلع الأوروبيون رداء السلبية، وألا يعتمدوا على تقديم الإغاثة الإنسانية كذريعة للإنحراف الدبلوماسي والفشل في مواجهة التعنت الإسرائيلي والاحتكار الأميركي للسياسة الدولية».
ويذهب باتن إلى أن «الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل وأكبر ممول للمساعدات الإنمائية للفلسطينيين.. بما يستدعي الابتعاد عن الشجاعة الكلامية والاقتراب من المبادرة الايجابية بتقوية المصالحة الفلسطينية وعدم مطالبة حماس بقبول شروط الرباعية الدولية التي ثبت أن إسرائيل أيضا لا تنصاع لها كشأنها مع الاستيطان..».
واضح أن جريمة إسرائيل ضد «قافلة الحرية أعادت إطلاق ألسنة الغيورين على إتحاد أوروبي فاعل في تظهير الملف الحقوقي الفلسطيني سياسياً كما اقتصادياً، ومعالجة العوار الأوروبي المتمثل بالفصل بين الأداءين السياسي والاقتصادي.
ولا ندري إن كان القرار الأوروبي الأخير بفتح أسواق القارة العجوز أمام الصادرات الفلسطينية ودعم انضمام فلسطين كعضو مراقب بمنظمة التجارة العالمية، وتعزيز الاقتصاد الفلسطيني عموماً، سيتواكب مع اتخاذ خطوات سياسية كالتي يلمح إليها باتن. إذا حدث ذلك، فسوف نكون بصدد سياسة أوروبية فارقة، ساهمت دماء شهداء سفينة مرمرة وأخواتها في تحريرها.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
mohamedalazzar@hotmail.com