يكاد لا يختلف اثنان على أن الحرب على أفغانستان كانت فخا صريحا، أوقع القوات الأميركية وحلفاءها في مستنقع لزج لا يمكن الخروج منه بأقل الخسائر، وكأن التجربة السوفيتية الفاشلة في هذه الدولة، لم تقدم الدروس المفيدة لأولئك المتعطشين لحماية الأمن والسلام العالميين!
ففي الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة لسحب قواتها العسكرية من افغانستان في شهر يوليو من العام المقبل، جدد الجنرال بترايوس قائد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، وأمام أعضاء مجلس الشيوخ، دعمه لعملية نقل المسؤوليات الأمنية إلى القوات الأفغانية.
وحاول بترايوس أن يرفع من معنويات الشعب الأميركي المحبط من هذه الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حين قال «إن الانتصار في حملة لمكافحة تمرد يعني إحراز تقدم، وفي هذا الإطار نحن ننتصر»..
ورغم هذه الدعاية لعملية انتصار زائفة في أفغانستان، فإن المحللين بدؤوا يشككون في موضوع الانسحاب من الأساس. فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أنه بعد ستة أشهر من اتخاذ الرئيس الأميركي باراك أوباما قرارا بإرسال قوات إضافية إلى أفغانستان، فإن التقدم البطيء في الحرب بلور توترات داخل الإدارة الأميركية، بشأن صلاحية وقابلية تطبيق خطته لبدء الانسحاب بحلول يوليو 2011.
ولعل المعضلة التي تواجه خطة الرئيس، تتلخص في مشكلة طالبان وسياسة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، والتي أحدثت قلقاً داخل الإدارة الأميركية بشأن ما إذا كان الجدول الزمني الذي حدده أوباما للبدء بسحب القوات من أفغانستان مجدياً، فحتى قبل هذه العراقيل كان الجيش الأميركي متشككاً بشكل كبير بشأن موعد بدء الانسحاب، لكن أوباما أصر عليه كطريقة لوضع نهاية للحرب الأفغانية التي دخلت عامها التاسع.
وقد ينظر البعض إلى الوضع الأميركي في أفغانستان، بعد أن زجت الولايات المتحدة بجيشها في حروب الإرهاب على أكثر من جبهة، وأقحمت العديد من الدول الأوروبية لمساندتها في هذه الحروب، على أنه نتيجة حتمية للتورط الأميركي غير المشروع في غزو دولة في القارة الآسيوية البعيدة.
والإفراط في التفاؤل في النجاح في ما فشل فيه الآخرون، خاصة وأن إرساء قواعد الأمن وقيم الديمقراطية في هذه الدولة منوط بعدة عوامل، لعل أهمها النجاح في عملية غسيل مخ للشعب الأفغاني، الذي لا يفهم التواجد الأميركي إلا من زاوية الغزو لا من زاوية التحرير.
ولذا جاء انهيار الوضع الأمني في افغانستان، وتنامي نفوذ طالبان بعد تسع سنوات من تواجد القوات الأميركية وحلفائها في الناتو، بمثابة عودة إلى نقطة الصفر، مما يشعر المراقب بأن أذيال الخيبة الأميركية والغربية.
أصبحت ممتدة في أعماق المسئولين قبل مواطنيهم الحانقين، وأصبحت الخيبة التي تشعر بها السلطة الحليفة في افغانستان نتيجة لتردي الوضع، تدفعها إلى تفنيد الأخطاء التي ارتكبتها القوات الأميركية وقوات الناتو خاصة.
ففي مقابلة متلفزة مع الرئيس قرضاي، اعترف ب»أن قوات الناتو قد ارتكبت بعض الأخطاء الكبيرة، حيث قبض على بعض الأفغان ووقع آخرون ضحايا وتم اقتحام منازل آخرين منهم، هذه كلها أسباب تبعد الشعب الأفغاني عنا، ويجب وقفها حتى يتسنى للناتو أن يكسب قلوب الشعب الأفغاني».
من ناحية أخرى، يبدو أن التوقعات بفشل مهمة الناتو في عام 2010 قد صدقت، خاصة وأن استطلاعات الرأي تظهر أن حوالي نصف المواطنين الأميركيين وحوالي ثلثي الألمان والبريطانيين، يعارضون الحرب في أفغانستان، كما أن تأييد الحرب آخذ في التراجع أيضا في دول أخرى في الناتو.
حيث حددت الحكومتان الهولندية والكندية عامي 2010 و 2011 على التوالي لانسحاب قوتيهما، ففي ظل الشعور المتنامي لعدم جدوى تواجد هذه القوات في العمق الأفغاني، فإن الحلف الأطلسي بدأ يلمس صعوبة مهمته، خاصة مع تزايد الضحايا بين جنوده نتيجة زرع العبوات الناسفة من قبل الطالبان.
وتخشى القوات الأجنبية من القنابل يدوية الصنع التي تزرع على جوانب الطرق وتفجر لدى مرور قافلة أو دورية، وهي مسؤولة عن 60% من خسائرها في 2009، كما تؤكد هذه القوات أن طالبان يدفعون حتى مائتي دولار للقرويين الفقراء لزرع هذه العبوات، وبحسب بيانات الحلف الأطلسي فإن كل قنبلة يدوية الصنع تقتل جنديا، تؤدي أيضا إلى سقوط ثمانية جرحى كمعدل وسطي، بين مدنيين وعسكريين.
وبما أن العد التنازلي للخروج من أفغانستان قد بدأ فور إعلان التأكيدات بذلك من قبل المسؤولين الأميركان، فإن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيعودون بخفي حنين، ويؤكد غلام رباني، وهو كولونيل متقاعد في الجيش الأفغاني، على أن «الجدول الزمني الذي حدده الرئيس أوباما لانسحاب قواته.
يعد مؤشرا واضحا على أن قوات حلف شمال الأطلسي سوف تتخلى عن أفغانستان، تماما مثلما فعلت القوات السوفيتية قبل عقدين من الزمان، فعندما أدرك الروس عدم قدرتهم على إحراز النصر في الحرب في أفغانستان، أعلنوا عن نيتهم الانسحاب لكنهم سيساعدون القوات الأفغانية في الدفاع عن البلاد، ثم بعد ذلك ترك الروس البلاد فريسة لدول الجوار لكي تقوم بمهمة تدميرها»..
إذن، المستنقع الأفغاني الذي يبتلع عمليا القوات الغازية، قد أعاد للأذهان تكرار الخطأ التاريخي الذي ارتكبه هتلر، حين غزا روسيا في فصل الشتاء ولم يتعلم من الدرس النابليوني، إلا انه أثبت أن التاريخ قد يعيد نفسه أحيانا.
وهذا ما تفعله الولايات المتحدة الآن، فبالرغم من تورطها الساذج وفشلها في فيتنام، ها هي تظن الآن أنها قد تقدر على ما لم يقدر عليه الاتحاد السوفيتي بعظمته الجبارة آنذاك.. فليكن الغد قريبا لناظره.
كاتبة إماراتية
m.alemarat@gmail.com