تصاعدت حدة التصريحات الهجومية لأول مرة بين موسكو وطهران في أعقاب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929 الخاص بالعقوبات المشددة على إيران، وبدا واضحا للجميع أن العلاقات بين البلدين تقف في مفترق طرق ولا يعرف أحد كيف ستسير بعد ذلك.
ولكن هناك أشياء مثيرة للدهشة وتحتاج لتفسير، حتى نتبين ما إذا كانت هناك بالفعل خلافات واقعية بين البلدين، أم أن الأمر كالعادة سابقا شبه متفق عليه؟
ومن هذه الأشياء التي تحتاج إلى تفسير، موقف إيران من الصين، حيث إن الصين أيضا أيدت القرار 1929 بالعقوبات على إيران، لكننا لم نسمع من الجانب الإيراني تصريحات حادة ومباشرة موجهة للصين مثل التي وجهها لروسيا، على الرغم من أن العكس كان هو المتوقع.
حيث إن موقف الصين المفاجئ هو الذي يحتاج إلى تفسير، وليس موقف روسيا الذي كان واضحا من تصريحات العديد من المسؤولين الروس التي تحمل انتقادات للجانب الإيراني، والتي لم نسمع مثلها من الجانب الصيني، وبالتالي كان على طهران أن توجه اتهاماتها ليس لروسيا وحدها، وإنما لروسيا والصين معا.
ولكننا شاهدنا الرئيس أحمدي نجاد يرفض الذهاب لأوزبكستان لحضور قمة شنغهاي التي ستنظر مسألة عضوية إيران فيها، وتعلن طهران أنه لم يذهب اعتراضا منه على الموقف الروسي من قرار العقوبات، ولم يذكر الموقف الصيني.
في حين أن قمة شنغهاي يحضرها رئيسا كل من الصين وروسيا، والأغرب من ذلك أن أحمدي نجاد توجه في اليوم التالي إلى الصين لحضور افتتاح جناح إيران في معرض في بكين!
هذه الازدواجية في المواقف تثير الشكوك حول مدى جدية الخلاف بين موسكو وطهران، وتجعل البعض يتصور أنها مجرد تمثيلية متفق عليها.
الحقيقة كما نراها نحن، أن العلاقات الروسية الإيرانية في الظروف الحالية ومع المستجدات على الساحة، تحتمل الاحتمالين؛ احتمال وجود خلافات جادة بينهما، واحتمال أن تكون خلافاتهما الظاهرة والمتصاعدة متفقا عليها بينهما.
ونحن نؤيد الاحتمال الثاني بشكل نسبي، ولهذا نقول إنها خلافات «شبه» متفق عليها، وليس متفقا عليها تماما، حيث إنه لا أحد يتصور أن تتخلى روسيا عن إيران بأي حال من الأحوال، فإيران حليف قوي يهم روسيا بشكل كبير، وتربطهما مصالح كثيرة ومتشعبة.
سياسية واقتصادية وإقليمية، وكافة المواقف على المستوى الإقليمي تؤكد وجود تفاهم واتفاق كبير بين البلدين، سواء في مسائل الطاقة وبحر قزوين، أو في مسائل الأمن الإقليمي في الجمهوريات المجاورة.
وأيضا إيران تعد الزبون الثالث في شراء السلاح الروسي بعد الهند والصين، ولا يمكن أن يتصور أحد الآن أن لدى واشنطن ما تغري به موسكو لتتخلى عن إيران، وليس لدى واشنطن شيء الآن لتقدمه لأحد، خاصة في أزماتها الحادة الحالية.
على الجانب الآخر، يبدو أن روسيا غير راضية عن اتفاق توريد اليورانيوم الثلاثي الذي وقعته إيران مع البرازيل وتركيا، حيث إن هذا الاتفاق من الممكن أن يخرج البرنامج النووي الإيراني مستقبلا من تحت السيطرة الروسية، خاصة بعد إتمامه وتسليمه لإيران، حيث لن يتبقى شيء يربطه بروسيا سوى توريد الوقود النووي.
هناك جانب آخر مهم في رأينا، ربما هو الذي دفع روسيا لتأييد قرار العقوبات هي والصين معا، حيث إن كلا البلدين يملكان التكنولوجيا النووية ويصدرانها للخارج، ودفاعهما بشكل كامل عن إيران ودعمهما لها وتحديهما للمجتمع الدولي.
سوف يدفع واشنطن والغرب إلى مواصلة تهديداتهما لإيران وتصعيد حدتها، الأمر الذي سيؤثر بالقطع على مكانة روسيا والصين في أسواق التكنولوجيا النووية العالمية، ويدفع باقي الدول إلى الهروب من التعامل معهما خشية مواجهة ما تواجهه إيران.
ولهذا أثرت الدولتان أن تقفا، ولو ظاهريا، مع المجتمع الدولي ومع واشنطن بالتحديد، وتؤيدا العقوبات المشددة على إيران، حتى تفوتا الفرصة على منافسيهما في سوق التكنولوجيا النووية العالمية لاستغلال الموقف ضدهما. ونعتقد أن إيران تتفهم هذا الموقف جيدا ولا ترفضه، الأمر الذي يثير الشكوك حول جدية الخلافات المتصاعدة بين موسكو وطهران.
تبقى كلمة مهمة، وهي أن روسيا بتأييدها للعقوبات أوقعت نفسها في ازدواجية غير مفهومة، حيث إنها أكدت مرارا وتكرارا أنها لا تشك لحظة في سلمية البرنامج النووي الإيراني، إذاً لماذا أيدت العقوبات؟
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي
mekhaelovna@mg.ru