في بداية صيف 2009 الماضي كنا نتمنى أن يأتي صيف 2010 بإجازة هنيئة وممتعة لكافة ملوك ورؤساء العالم إجازة عن الحروب والشد والجذب والهجوم على الدول والضغوط والحسابات المعقدة بغرض السيطرة والنهب والاستيلاء والقتل والتدمير وفرض الهيمنة لا أكثر.
كنا نتمنى ذلك في كل مناسبة، العيدين الصغير والكبير، ورأس السنة الميلادية والهجرية وعيد الفصح وأعياد جميع الديانات دون تفرقة وفي كل سنة تعود تلك المناسبات بنفس حمية الحروب والتدمير.
وها هو صيف 2010 يطرق أبوابه، والمدرسون والموظفون والعاملون ومدراء الشركات والإدارات وحتى الفراشون، أخذوا إجازاتهم السنوية ومنهم من سافر ومنهم من ينتظر إلا رؤساء العالم وحكامه وملوكه.
فهم جالسون على كراسييهم إما خوفا من انقلاب أحمر أو أبيض، أو لأن الحرب التي بدؤوها قبل سنة أو عشر سنين لم تؤت ثمارها بعد ولا بد من الاستمرار في إدارتها.
لا أحد يعرف بعد سر ولا شكل تلك الجينة الدموية التي تشكل نزعة الإنسان للتدمير والموت. والعلم في مجال الجينات الوراثية قد قطع شوطا كبيرا في علاج العديد من الأمراض الوراثية وإمكانية علاجها من خلال تلك الجينات وتعديل سلوكياتها، إن صح التعبير.
فهل سيضع يوما ما يده على جينة نزعة الإنسان للقتل والتخريب وحب المال والسطوة والسيطرة على الآخرين والظلم والكذب والتلفيق، كما تفعل بعض الدول التي اشتهرت بهذه الصفة، وينزعها عنه؟
ومن يعرف، فربما تم اكتشاف علاج ناجع لهذه الجوانب السلبية من شخصية الإنسان ؟ وخاصة الرجال ؟
إلا أن هناك من القوى العالمية من ترفض تطبيقها. وقد أخبرني أحد الأطباء المتخصصين في جراحة القلب ؟ أثناء الحديث عن سبب تأخر العلم في اكتشاف دواء للعديد من الأمراض البشرية ؟ قال بأن العديد من الأمراض المستعصية كالسرطان وأمراض القلب والكلى قد اكتشف الإنسان منذ زمن طويل أمصالا لها.
إلا أن بعض حكومات العالم المستفيدة ماديا من انتشار هذه الأمراض ـ بما تدره عليها مصانعها التي تقوم بتصنيع الأدوية وانتشار المستشفيات في كل مكان ـ قد منعت تطبيقها أو إشهارها أو حتى الحديث عنها، وبالتالي ظلت طي الكتمان تماما كما حدث عن الحديث عن سر الأطباق الطائرة.
إن مصير المليارات من جنس البشر أصبحت تتحكم فيه فئة محدودة من جنسهم. وهذه الفئة لا تعرف الراحة أو الاستراحة أو حتى القيلولة من إثارة الفتن والحروب التي تأتي على الأخضر واليابس. ولا نعرف لماذا تم تأسيس منظمة الأمم المتحدة ولماذا ترك الغارب في يد خمس دول تحدد مصير كل هذه المليارات.
وبات الكل يدرك بأن كل طرف في مجلس الأمن يبحث عن مصلحته أولا ولا يعنيه تطبيق العدالة بين البشر أيا كان لونهم وانتماءاتهم. فأصبحت قرارات الأمم المتحدة خاصة تلك التي تتخذ ويصوت عليها في فصل الصيف ليس لها أي اعتبار تنفيذي. فهي مجرد حبر على ورق تماما كقرارات الجامعة العربية.
والحل الوحيد للتقليل من الكوارث البشرية التي يسببها البشر وليس الطبيعة، هي منح رؤساء العالم وملوكه وحكامه إجازة صيفية إجبارية تبدأ في الأول من يونيو من كل عام لمدة ثلاثة أشهر. بحيث لا تتخذ فيها أي قرارات بشن الحرب أو بالعدوان أو القتل أو التدمير.
(كما كان يفعل العرب في الجاهلية أثناء الأشهر الحرم) وتعطي الجيوش أيضا إجازة مشابهة ومساوية لها في المدة والتوقيت. بحيث لو أن ملكا ما أو رئيسا قرر شن حرب، فإنه لن يجد من ينفذها بانتظار انتهاء إجازة الصيف.
وربما لو استطاع هذا الملك أو الرئيس أو الحاكم الانتظار لمدة ثلاثة شهور دون القدرة على شن الحرب لربما تغيرت أفكاره ووجد طريقة عقلانية للتوصل إلى سلام شامل.
ويبدو أن الانتظار أو التريث يحل العديد من الهموم والمشاكل ويكبت الرغبات الجسدية. فقد استمعت لنصائح أحد الزملاء الدكاترة بجامعة الإمارات على شاشة إحدى القنوات الفضائية التي يقدم من خلالها برنامجه الذي يدعونا إلى تلوين حياتنا إيجابيا، كان ينصحنا بالتريث لمدة نصف ساعة قبل شراء أي مادة اكسسوارية غير ضرورية.
فسنجد بعد مرور نصف ساعة من فكرة الشراء أن تلك الحاجة الماسة لشراء سلعة ما قد اختفت تماما. وهذا ينطبق على الطعام. فعلماء التغذية ينصحون بالتمهل وعدم الإكثار في بلع الطعام بحجة الجوع، لان العقل يحتاج إلى ما مدته 20 دقيقة تقريبا حتى تصلنا منه إشارة الشبع.
أي أننا نأكل بينما نحن قد شبعنا قبل 20 دقيقة. ولو أن ملوك العالم ؟ حيث كل رئيس وحاكم وزعيم حتى ولو انتخب بشكل ديمقراطي هو في الحقيقة يمارس صلاحيات القيصر على كرسيه حتى يزول كما كان يفعل الرئيس الأميركي جورج بوش الأب والابن بالوراثة ؟
لو أن هؤلاء الملوك تريثوا لمدة 3 شهور أو حتى 30 يوما، أو 30 ساعة أو حتى 30 دقيقة قبل إعطاء إشارة شن الحرب لجنبوا البشرية أرقاما خيالية من الخسائر المادية والبشرية على مر التاريخ. ولعاش الناس بسلام.
ترى كم من البشر راحوا ضحية الحروب منذ الصيف الماضي، ولولا قرار هذا ورعونة ذاك لكان هؤلاء يعيشون بيننا وبين أهاليهم وأبنائهم وآبائهم وأمهاتهم ويستمتعون مثلنا بالسفر في الصيف وقضاء إجازة سعيدة على شواطئ البحر، إلا أن التسرع في اتخاذ قرارات شن الحرب غيبتهم وحرمتهم من متع الدنيا إلى الأبد.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
